القدّيس أغسطينوس

 

الاعترافات

 

الكتاب العاشر

 

حواش 

13

12

11

10

9

8

7

6

5

4

3

2

1

مقدّمة

 

 

10- الكتاب العاشر

10-1 السّعي إلى معرفة الله

  1 سأعلمك يا من تعلمني، "سأعلم كما عُلمتُ". يا قدرة نفسي، لُجْ فيها، وكيّفها لك، لتمسكها وتملكها "لا كلَف فيها ولا غضْن". ذاك رجائي، ولذا أتكلّم وفي رجائي ذاك أفرح، حين أفرح بنحو سليم. أمّا بقيّة علائق هذه الحياة فإنّها تستحقّ أقلّ أن تُبكى كلّما بُكيت أكثر، وتستحقّ أكثر أن تُبكى كلّما بُكيت أقلّ. ها أنّك "أحببتَ الحقّ" لأنّ "الّذي يعمل الحقّ يُقبل إلى النّور". وها أنا أريد أن أعمله في قلبي، باعترافي أمامك، وفي قلمي أيضا أمام عديد الشّهود.

10-2 الله يعلم خافية الأنفس

  2 وأنت اللّهمّ الّذي غمرُ الضّمير الإنسانيّ عارٍ مكشوف الباطن لعينيك، أيّ شيء فيّ خاف عليك، حتّى لو لم أحبّ الاعتراف لك؟ فإيّاك سأحجب عنّي، لا ذاتي عنك إذّاك. الآن إذ يشهد أنيني على أنّي سئت بذاتي ها أنت تسطع وتطيب لي وتجتذب حبّي واشتياقي، لأخجل من ذاتي وأطّرحها وأختارك، ولن أطيب لك ولا لذاتي إلاّ بنعمتك. فأنا يا ربّ جليّ لك أيّا أكون. وقد قلتُ غايتي من اعترافي. وما بكلمات وأصوات جسدي أرفعه إليك، بل بكلام روحي وصراخ فكري الّذي يعلم سمعُك. ما اعترافي لك لمّا أكون سيّئا سوى استيائي من ذاتي. وما هو لمّا أكون صالحا سوى رفضي نسبةَ ذاك الصّلاح لذاتي، فأنت يا ربّ "تبارك الصّدّيق" ولكنّك قبل ذلك "تبرّره منافقا". لذا أرفع اعترافي لك يا ربّ قدّامك صامتا وصادعا*: تعطّلت لغة الكلام فهتف به الوجدان. لا أقول للنّاس شيئا صادقا لم تسمعه منّي قبل، ولا أنت تسمع منّي شيئا لم تقله لي مسبقا.

10-3 مبرّرات الاعتراف أمام البشر

  3 ما شأني إذن والبشر حتّى أُسمعهم اعترافاتي كما لو أنّهم هم من "سيشفون جميع أمراضي"؟ يا لهم من جنس فضوليّ لمعرفة حياة غيره ومتخاذل عن إصلاح حياته. لِم يسألون من أكون وهم لا يودّون أن يسمعوا منك من يكونون؟ ومن أين لهم أن يعلموا، لمّا يسمعون ما أروي عنّي إن كنت أقول صدقا والحال أنّ "لا أحد من النّاس يعرف ما في الإنسان إلاّ روح الإنسان الّذي فيه"؟ لكن إن يسمعوك تكلّمهم عن أنفسهم فلن يمكنهم القول: "الرّبّ يكذب". وهل سماعهم ما تقول عنهم غير معرفة أنفسهم؟ ومن يعرف نفسه حقّا ويقول: "هذا خطأ" إن لم يكن كاذبا؟ لكن لأنّ المحبّة "تصدّق كلّ شيء"، سيما بين من تؤلّف بين قلوبهم، أعترف لك يا ربّ ليسمعني كذلك النّاس، الّذين لا أستطيع إثبات صدقي لهم، وإنّما يصدّقني منهم من تفتح المحبّة لي أسماعهم.

  4 لكن أنت يا طبيب روحي أجْل لي ما أجني من ذلك. لعلّ اعترافاتي بآثامي الماضية الّتي غفرتَ وسترتَ لتُسعدني فيك مغيّرا نفسي بالإيمان وبسرّك المقدّس توقظ قلب من يقرؤها ويسمعها، فلا ينام في قنوطه قائلا: "لا أستطيع"، بل يصحو لحبّ رحمتك وحلاوة نعمتك الّتي يغدو قويّا بها كلّ ضعيف إذ يعي بها ضعفه. ويسرّ الصّالحين سماع سيّئاتهم الماضية الّتي عوفوا منها، لا لأنّها سيّئات بل لأنّها وُجدت ولم تعد توجد. ما الفائدة اللّهمّ يا من تعترف لك كلّ يوم سريرتي، وهي أوثق برجاء رحمتك منها ببراءتها، أسألك ما الفائدة من اعترافي قدّامك للنّاس أيضا من خلال هذا الكتاب بمن أكون لا بمن كنتُ؟ ففائدة هذا رأيتُها وذكرتُها؛ أمّا من لا أزال حتّى ساعة "اعترافاتي"، فيودّ معرفته كثيرون: من يعرفونني ولا يعرفونني، من سمعوا منّي أو عنّي شيئا لكنّ آذانهم لا تسّمّع لقلبي حيث أنا حقّا من أنا، لذا يريدون أن يسمعوا من اعترافاتي ما أنا في باطني حيث لا يستطيعون شدّ عيونهم ولا آذانهم ولا أذهانهم. يريدون ذلك مستعدّين لتصديقي، فهل سيعرفونني؟ تنبئهم المحبّة الّتي منها طيبتهم أنّي لا أكذب في ما أعترف به عن نفسي وهي الّتي فيهم تصدّقني

10-4 فائدة الاعتراف أمام الآخرين

  5 لكن لأيّة فائدة يريدونه؟ أيرغبون في تهنئتي، لمّا يسمعون كم اقتربتُ منك بنعمتك، ودعائك لأجلي لمّا يسمعون كم يعطّلني حمْلي؟ لهؤلاء سأكشف ذاتي. فما بغنم يسير يا ربّ أن "يؤدّى لك الشّكرُ عنّا بواسطة كثيرين" وأن يدعوك من أجلنا كثيرون. عسى روح أخٌ أن يحبّ فيّ ما علّمتَنا أن نحبّ ويأسف لما علّمتنا أن نأسف له. عسى أن يفعل هذا روحٌ أخٌ لا غريبٌ، لا روح "بني الغرباء الّذين نطقتْ أفواههم بالباطل ويمينهم يمين زور"، بل ذاك الرّوح الأخ الّذي إن أيّد فعلي فرح بي وإن أنكره أسف من أجلي، وهو في تأييده كما في إنكاره يحبّني. لمثل هؤلاء أكشف ذاتي، فليتنفّسوا ارتياحا لصالحاتي، ويتنهّدوا حسرة على سيّئاتي*. صالحاتي أعمالك وعطاياك، وسيّئاتي خطاياي وأحكامُك. ليتنفّسوا في تلك ولْيتنهّدوا في هذه وليصعد الثّناء والبكاء إلى أمامك من تلك القلوب الأخويّة، "مجامرك". وأنت اللّهمّ، إذ اغتبطتَ بأريج هيكلك المقدّس، "ارحمني بحسب رحمتك الكثيرة"، "من أجل اسمك"، وبما أنّك لا تدع أبدا ما ابتدأتَ فتمّمْ نواقصي.

  6 هذه هي فائدة اعترافاتي، لا بما كنتُ بل بما أنا الآن، حيث سأعترف لا فقط أمامك "ببهجة خفيّة مع رعدة" وبحزن خفيّ مع رجاء، بل كذلك لأسماع بني البشر المصدّقين، مشاطريّ بهجتي ومشاركيّ فنائي، مواطنيّ ومصاحبيّ في سفري، سابقيّ ولاحقيّ ومرافقيّ على طريقي. هؤلاء عبيدك، إخوتي الّذين شئتَ أن يكونوا بنيك، أسيادي الّذين أمرتَني بخدمتهم إن أردتُ أن أحيا بك معك. وما كان يكفي لو اقتصر كلمتك على أمري بالقول، ولم يسبقني بالفعل. وها أنا أفعل ما أُمرت بأعمالي وأقوالي، أفعل ما أُمرت تحت جناحك، فالخطر كبير لولا احتماء نفسي تحت جناحيك ولولا علمك بضعفي. صبيّ صغير أنا لكنّ أبي حيّ على الدّوام ونِعم الكفيل هو لي، فهو الّذي أنجبني ويرعاني. أنت كلّ خيري أنت القدير الّذي تكون معي حتّى قبل أن أكون معك. لأمثال من أمرتني بخدمتهم سأكشف إذن لا من كنتُ بل من أكون ومن لا أزال. لكنّي "لا أحكم في نفسي". بهذا الاستعداد فلْيسمعوني.

10-5 الله مصدر ما يعلم الإنسان عن نفسه

  7 أنت اللّهمّ الّذي تحكم عليّ "فإنّ لا أحد من النّاس يعرف ما في الإنسان إلاّ روح الإنسان الّذي فيه". مع ذلك يوجد في الإنسان ما لا يعرفه حتّى روح الإنسان الّذي فيه. بينما أنت يا ربّ تعلم كلّ ما فيه، فأنت الّذي صنعته. أمّا أنا فإن احتقرتُ ذاتي أمامك وعددتُني ترابا ورمادا، أعلم مع ذلك عنك شيئا لا أعلمه عن ذاتي. لا شكّ "أنّا الآن ننظر في مرآة على سبيل اللّغز"، لا "وجها لوجه" بعد. لذا طالما واصلتُ رحلتي بعيدا عنك، أنا إلى ذاتي أقرب منّي إليك. مع ذلك أعلم أنّ لا شيء ينال منك بأيّ وجه. أمّا أنا فلا أدري أيّة تجارب أستطيع أو لا أستطيع أن أحتمل. رجائي هو أنّك لكونك أمينا "لا تدعنا نجرَّب فوق طاقتنا بل تجعل مع التّجربة مخرجا لنستطيع أن نحتمل". لذا سأعترف بما أعلم عنّي وسأعترف أيضا بما أجهل، فما أعلم عنّي أعلمه قدر ما تنيرني، وما أجهل أظلّ أجهله حتّى يصير "ديجوري كالظُّهر" أمام وجهك.

10-6 البحث عن الله

  8 بيقين باطن لا يرقى إليه الشّكّ أحبّك يا ربّ. بكلامك قرعتَ قلبي وأحببتُك. لكن ها هي السّماء والأرض وكلّ الكائنات فيهما تهيب بي من كلّ صوب أن أحبّك، ولا تكفّ عن ترديد ذلك للجميع "حتّى إنّهم لا معذرة لهم". لكنّك في علائك "تصفح عمّن تصفح وترحم من ترحم". وإلاّ فلصمّ تردّد السّماء والأرض تسابيحك. لكن ماذا أحبّ حين أحبّك؟ قطعا لا جمال الجسم ولا الحسن الدّنيويّ الفاني، ولا ألق هذا الضّياء المحبّب للعيون، ولا الأنغام العذبة للأغاني المنوّعة التّواشيح، ولا شذا الزّهور والدّهون والطّيوب، ولا المنّ والعسل، ولا الأعضاء المحتضَنة في ضمّة الأجساد: كلاّ ما ذلك ما أحبّ لمّا أحبّ إلهي. مع ذلك أحبّ نورا وصوتا ورائحة وطعما وعناقا لمّا أحبّ إلهي، هي نور وصوت ورائحة وطعم وعناق الإنسان الدّاخليّ الّذي فيّ، حيث يشعّ لنفسي ما لا يضمّ المكان، وحيث يصوّت ما لا يخطف الزّمان، وحيث يعبق ما لا تفرّق الرّيح، وحيث يلذّ* ما لا يُنقص الأكل، ويدوم عناق ما لا يفصل الشّبعُ: هذا ما أحبّ حين أحبّ إلهي.

  9 فما هو؟ سألتُ الأرض فقالت: "لست إيّاه" وكلّ ما فيها أقرّ لي بنفس الجواب. سألتُ البحر وغمره و"زحّافاته ذات الأنفس الحيّة" فأجابت كلّها: "لسنا إلهك، فابحث فوقنا". سألت النّسائم والرّياح فقال الهواء المنتشر على الأرض مع كلّ ساكنيه: "أخطأ أنكسيمنس*، لستُ إلهك". وسألتُ السّماء والشّمس والقمر والكواكب، فقالت: "لسنا الإله الّذي تنشد". وقلتُ لكلّ الكائنات الّتي تطوّق منافذ جسدي: "حدّثيني عن إلهي الّذي لستِ إيّاه، قولي لي عنه شيئا". فهتفتْ بصوت جهير: "هو الّذي صنعنا". كان سؤالي تأمّلي وجوابُها جمالَها. توجّهتُ عندئذ إلى ذاتي وقلت: "من أنت؟" فأجبتُ: "إنسان." وذان البدن والرّوح في خدمتي، أحدهما برّانيّ والأخرى جوّانيّة. بأيّهما كان يلزم أن أبحث عن إلهي الّذي فتّشت عنه بالبدن من الأرض حتّى السّماء، وحيثما أمكنني أن أبعث لواحظ عينيّ رسلا*؟ لكنّ العنصر الباطن أشرف، فقد كانت كلّ رسل الجسم تنبئه، بصفته الرّئيس والحكم، بأجوبة السّماء والأرض وكلّ ما فيهما من كائنات تشهد: "لسنا الله" و"هو الّذي صنعنا". يعلم كلَّ ذلك الإنسان الدّاخليّ فيّ بالخارجيّ المسخّر له. أنا الذّات الباطنة، أنا النّفس أعلم ذلك بواسطة حواسّ بدني. سألتُ كتلة الكون عن إلهي، فردّت: "لست إيّاه، وإنّما هو الّذي صنعني".

  10 ألا يتجلّى لكلّ ذوي الحسّ السّليم جمال هذا الوجود؟ لِم لا يتحدّث إلينا جميعا؟ البهائم، صغارها وكبارها، تراه ولا تستطيع السّؤال. إذ لم تؤت عقلا يحكم في أنباء الحواسّ. أمّا البشر فيمكنهم أن يسألوا "لتُبصر غير منظورات الله المدركة بالمبروءات". لكنّهم لتعلّقهم بها أرَقّاء لها، ولا قِبل لأرقّاء  بالحكم. وهي لا تجيب سائليها إلاّ إن أوتوا حكما. ولا تغيّر خطابها، أعني جمالها، إن رآها أحد دون سؤالها ورآها آخر فسألها، متبدّية لذاك بنحو ولهذا بنحو آخر. بل تظهر لكليهما بنفس النّحو خرساء لذاك ومفصحة لهذا. أو بالأحرى هي تتحدّث للجميع لكن يفقهها فقط من يقارنون كلامها الملتقَط من الخارج بالحقّ الكامن بداخلهم*. الحقّ يقول لي: "ليس إلهك السّماء ولا الأرض ولا أيّ جسم"، بذلك تقرّ طبيعتها. لينظروا: الكتلة في جزئها أصغر ممّا هي في كلّها. أقول لك يا نفس: أنت خير منها، فإنّك تبعثين النّشاط في كتلة جسمك الّذي تعطينه الحياة وهو ما لا يعطيه أيّ جسم لجسم، لكنّ إلهك كذلكِ بالنّسبة لك حياة حياتك.

10-7 البحث عن ملَكة في الإنسان تقوده إلى الله

  11 ماذا أحبّ إذن إذ أحبّ الله؟ من ذاك القائم فوق قمّة نفسي؟ بنفسي تلك سأرتقي إليه. سأتجاوز قوّتي هذه الّتي تربطني بجسمي وتملأ مجمّع كياني حياة. ما بهذه القوّة أجد إلهي وإلاّ لوجده كذلك "الفرس والبغل اللّذان هما بدون فهم" ولهما مع ذلك نفس القوّة يحيا بها جسماهما. هناك قوّة أخرى لا أبعث بها في جسدي الحياة فقط بل كذلك الإحساس صنعها الله لي موعزا لعيني بألاّ تسمع ولأذني ألاّ ترى، بل لتلك أن أرى بها ولهذه أن أسمع بها ومسندا لكلّ واحدة من الحواسّ الأخرى محلّها وشغلها الخاصّين: وأنا بها نفس واحدة أقوم بأفعال شتّى. سأجتاز كذلك حياتي الحسّيّة تلك فللفرس والبغل أيضا مثلها: هما كذلك يحسّان بواسطة الجسم.

10-8 قوّة الذّاكرة العجيبة

  12 سأجتاز إذن تلك الملَكة المركّبة في طبيعتي أيضا، مترقّيا بالتّدريج إلى خالقي، وأصل إلى حقول وسرادقات ذاكرتي الرّحبة حيث خزائن الصّور المتعدّدة المنقولة عن الحسّيّات بشتّى أنواعها. هناك حُفظ كذلك كلّ ما أنشأنا من صور ذهنيّة بزيادة أو إنقاص أو تحوير مدركات الحسّ وكلّ ما سلّمناها وأودعناها، ما لم يغمره ويدفنه النّسيان. حين أكون هناك أستحضر ما أشاء من الذّكريات فيتقدّم بعضها فورا، ويقتضي استخراج بعضها وقتا أطول كأنّما تُنتبش من معاقل أخفى، وينثال بعضها زمرا، وبينما أطلب شيئا سواها وأبحث عنه تهبّ إلى وسط الميدان كأنّها تقول: "لعلّك إيّانا تنشد؟" فأذبّها بيد فكري من واجهة ذاكرتي، إلى أن يبرز من الضّباب ما أريد ويتقدّم من مخبئه إلى مجال رؤيتي. بعض الذّكريات الأخرى تمثل بسهولة وفي تتالٍ بلا تشويش حالما أطلبها، وتفسح السّابقة للاّحقة وتختفي بذلك لتعود من جديد أمامي متى أريد. ذاك ما يحدث حين أروي شيئا من ذاكرتي.

  13 هناك حُفظت كلّ الإدراكات الحسّيّة بجلاء حسب أصنافها، كلّ حسب المنفذ الّذي ولج منه: النّور وكلّ ألوان وأشكال الأجسام من العينين، ومن الأذنين كلّ السّمعيّات، وكلّ الرّوائح من الخيشومين، وكلّ النّكه من مولج الفم، ومن حساسيّة الجسم بأكمله الملمس: صلبا أو رخوا، ساخنا أو باردا، ناعما أو خشنا، ثقيلا أو خفيفا، خارجيّا أو داخليّا بالنّسبة للجسم. تتلقّى الذّاكرة كلّ هذه الأحاسيس لاستدعائها لدى الحاجة واستخراجها من مخبئها الفسيح، ذاك الكهف الخفيّ العجيب. تدخل فيها جميعا، كلّ عبر منفذه الخاصّ، وتلبث هناك. ليست الأشياء ذاتها هي الّتي تدخل، وإنّما صورها*، فتمكث هناك على ذمّة التّفكير حين يستذكرها. من يستطيع أن يخبر كيف تكوّنت تلك المخزونات، وإن اتّضح بأيّ حواسّ التُقطتْ وخُبّئتْ بداخلنا؟ حتّى حين أوجد في الظّلام والصّمت، أسحب من ذاكرتي، متى أشاء، الألوان، وأميّز بين الأبيض والأسود، وما أشاء من الألوان الأخرى، ولا تنثال عليّ السّمعيّات وتربكني وأنا أنظر ما التقطتُ بعينيّ، مع أنّها توجد هي الأخرى هناك، وتربض في مأواها بمعزل عن غيرها. هي أيضا أطلبها، متى أشاء، فتحضر فورا، وفيما يستريح لساني وتصمت حنجرتي، أغنّي كما أشاء، دون أن تتدخّل أو تقطع مجراها* الصّور البصريّة المتواجدة معها هناك لمّا أستخرج المخزون الآخر الذي ولج في مستودع الذّاكرة من الأذنين. كذلك أستحضر كما أشاء الصّور الأخرى التي تمّ إدخالها وتجميعها عبر بقيّة الحواسّ، وأميّز بين رائحة الزّنبق ورائحة البنفسج دون أن أكرف شيئا، وأفضّل العسل على الرُّبّ، والنّاعم على الخشن دون أن أذوق أو ألمس شيئا.

  14 أفعل ذلك بباطني، في فناء ذاكرتي الفسيح. هناك السّماء والأرض والبحر تحت الطّلب مع كلّ ما أمكنني إدراكه من الأشياء فيها بالحسّ، إلاّ ما نسيتُ. هناك أصادف ذاتي وأتذكّر ماذا كنتُ وماذا فعلتُ ومتى وأين وفي أيّة حال نفسيّة. هناك يوجد كلّ ما أذكر عن ذاتي سواء ما عشتُ بالتّجربة أو ما صدّقت بالسّماع. من هذا المخزون الضّخم أعقد أيضا مقارنات بين الوقائع الّتي جرّبتها تارة أو قبلتها استنادا إلى تجاربي تارة وأربطها بالماضي، وأستلهمها كذلك للتّفكير في أعمال وأحداث وآمال المستقبل، كلّها كما لو كانت حاضرة. أهذّ لذاتي: "سأفعل هذا أو ذاك"، في مختلى نفسي الرّحب ذلك، المليء بذلك الكم الهائل من صور أشياء بذلك العِظم، فيتبع هذا أو ذاك. وأهذّ لذاتي: "ليت هذا أو ذاك يتمّ"، أو "دفع الله هذا أو ذاك"، وحين أقوله تحضر صور كلّ ما أقول من نفس مخزن الذّاكرة، ولا يمكنني قطّ قول شيء منها إن غابت.

  15 عظيمة هي قوّة الذّاكرة هذه، عظيمة جدّا يا ربّ! أيّ محراب رحاب لامتناه. من ترى يصل إلى قعره؟ وهي واحدة من قوى فكري، تابعة لطبيعتي، وأنا ذاتي لا أستطيع إدراك كلّ ذاتي فالفكر أضيق من أن يدرك ذاته، وإذن أين يوجد ما لا يلتقط من ذاته؟ أبخارجه ترى لا في ذاته؟ كيف لا يدركه والحال تلك؟ وتولد فيّ وأنا أفكّر في ذلك دهشة كبيرة ويتملّكني الذّهول. ويمضي النّاس يعجبون من ذرى الجبال الشّاهقة، ولجج البحر العارمة، ومجاري الأنهار الواسعة، وساحل البحر المحيط، ومدارات النّجوم، ويدَعون أنفسهم، فلا يعجبون كيف كنتُ، وأنا أتحدّث عن هذه الأشياء، لا أراها بعينيّ، وما كنتُ مع ذلك لأتحدّث عنها لو لم أكن أرى بباطني، في ذاكرتي، الجبال والأمواج والأنهار والكواكب الّتي رأيتها والبحر المحيط الّذي صدّقتُ ما بلغني عنه وبمقاساتها الشّاسعة كما هي بالخارج*. لكنّي لم أبتلعها برؤيتها لمّا رأيتها بعينيّ. وما هي ذاتها موجودة فيّ بل صورها، وأعلم بأيّة حاسّة من حواسّ جسمي انطبعتْ فيّ كلّ واحدة منها.

10-9 في الذّاكرة فضلا عن صور الحسّيّات معلومات مجرّدة

  16 لكنّ مستودع ذاكرتي الفسيح لا يحتويها لوحدها. ففيها يوجد أيضا كلّ ما حصّلت من العلوم الشّريفة ولم يبارحها بعد، مكنونا في مكان باطن، وما هو بالمكان حقّا. وما صورَها أحمل بل إيّاها. ما الأدب وما الجدل وكم هناك من أنواع الأسئلة، كلّ ما أعلم حول هذه المسائل موجود في ذاكرتي، لا كصورة أحفظها بعدما أدع بالخارج الشّيء ذاته، سواء كان من السّمعيّات أو البصريّات أو سواها، كالصّوت الوارد عبر الأذنين والمنطبع أثره فينا، فكأنّه لمّا نتذكّره ما زال يصوّت وإن انقطع تصويته، أو كالرّائحة لمّا تمرّ وتبدّدها الرّياح فتؤثّر في حاسّة الشّمّ وتنقل إلى الذّاكرة انطباعا منها نستعيده بالتّذكّر، أو كالطّعام الّذي يفقد في البطن مذاقه لكنّه في الذّاكرة يبدو محتفظا به، أو أيضا كشيء تحسّسنا ملمسه بالجسم وتستحضر ذاكرتنا صورته بعد انفصاله عنّا. لا تولج فيها هذه الأشياء بل تُلتقط صورها بسرعة عجيبة وتوضع في شبه حُجرات عجيبة وتُستخرج منها بالتّذكّر بطريقة عجيبة.

10-10 وجود معلومات مجرّدة في الذّاكرة

  17 لكن لمّا أسمع أنّ هناك ثلاثة أنواع من الأسئلة عن شيء ما: وجوده وماهيته وكيفيّته، أحفظ لا محالة انطباعات الأصوات الّتي أُلّفت منها هذه الكلمات، وأعلم أنّها عبرت الرّيح مع الدّويّ المرافق لها، ولم تعد موجودة. لكنّي لم أدرك بأيّة حاسّة من جسمي ولا رأيتُ في موضع سوى فكري الأشياء ذاتها المقصودة بتلك الأصوات، ولم أكنز في ذاكرتي صورها بل خزنتها هي ذاتها هناك. لتقلْ إن استطاعتْ من أين تطرّقتْ إليّ. أطوف على مداخل جسدي ولا أجد من أيّ منها ولجتْ. تقول العينان: "لو كانت ذات لون لنقلناها". وتقول الأذنان: "لو كانت ذات صوت لأنبأنا بها". ويقول الخيشومان: "لو كانت ذات رائحة لمرّت عبرنا". ويقول الذّوق بدوره: "إن كانت بلا طعم، فلا تسلني شيئا عنها". ويقول اللّمس: "إن لم يكن ذلك شيئا جسمانيّا، إن لم ألمسه، فما أخبرتُ به". من أين إذن ومن أيّ معبر نفذتْ إلى ذاكرتي تلك المعلومات؟ لا أدري كيف، فحين تعلّمتها لم أصدّق فكر غيري بل في فكري تعرّفتها، وأقررتُها كحقائق وأودعتُها فيها، لأستخرجها كلّما شئتُ. إذن كانت هناك حتّى قبل أن أتعلّمها، لكن لم تكن توجد في ذاكرتي. أين كانت إذن، وكيف تعرّفتُها لمّا قيلتْ لي وقلتُ: "هو كذلك، هذا صحيح"، إن لم تكن موجودة من قبل في الذّاكرة، لكنّها قصيّة وكالمطمورة في ما يشبه الكهوف الخفيّة فربّما لم يكن بوسعي تفكّرها لو لم تُستخرج بتأثير أحد*؟ 

10-11 نشاط الفكر كتجميع للمعلومات

  18 من ثمّة نكتشف أنّ تعلّم تلك الحقائق الّتي لا نلتقط صورها بالحواسّ، بل ندركها باطنيّا بدون صور كما هي، بذاتها، مجرّد تجميع بالتّفكير، إن جاز التّعبير، وترتيب بالتّنبّه لمعلومات كانت تحويها الذّاكرة في تشويش وفوضى بحيث تنتظم في متناول اليد في نفس الذّاكرة تلك العناصر المستخفية سابقا في تشتّت وإهمال، فتمثل الآن بسهولة عند تركيز انتباهنا بنحو عاديّ. ولكم تحمل ذاكرتي من معلومات من هذا النّوع سبق اكتشافها، وهي كما قلتُ في متناول اليد إن جاز التّعبير، هي تلك التي يقال إنّا تعلّمناها ونعرفها، وإن أنقطعْ مدّة بسيطة عن استذكارها تغصْ مجدّدا وتتفرّقْ في مخابئها القصيّة بحيث يصير لزاما استحضارها بالفكر مرّة أخرى كمعلومات جديدة من نفس المحلّ، إذ ليس لها محلّ سواه، ولمّ أشتاتها مجدّدا، ليمكن أن تصير معلومة لدينا، أي أنّنا بحاجة إلى تجميعها من حالة التّفرّق ليمكن القول إنّنا نعلمها ومن هنا أتت كلمة cogitare. فما بين  cogo و cogito مثل ما بين ago وagito أو facio وfactito *. لكن انفرد الفكر بهذا اللّفظ كنشاط خاصّ به فأطلِقتْ كلمة cogitare على ما يُجمَّع في الفكر دون سواه، أي على ما يفكَّر.

10-12 احتواء الذّاكرة على المفاهيم الرّياضيّة

  19 تحتوي الذّاكرة كذلك على علاقات الأعداد والأقيسة وقوانينها المتعدّدة الّتي لم تطبع أيّا منها حواسُّ أجسامنا لأنّ لا لون لها ولا صوت ولا رائحة ولا طعم ولا ملمس. سمعتُ لا محالة أصوات الكلمات الّتي يشار بها إليها عند الحديث عنها، لكن شتّان ما بين هذه وتلك. هذه ذات جرس مختلف، يونانيّ مثلا أو لاتينيّ، أمّا تلك فليست يونانيّة ولا لاتينيّة ولا تنتمي لأيّ نوع من اللّغات. رأيتُ خطوطا رسمها حرفيّون في دقّة خيط العنكبوت. لكنّ فكرة الخطّ الهندسيّة غير ذلك، ليست صورة تلك الّتي تنبئنا بها عين الجسد: أيّ منّا يعرفها بتعرّفها في باطنه بدون تفكير في أيّ واقع جسمانيّ. أدركتُ كذلك بكلّ حواسّ جسمي الأعداد الّتي نعدّ، لكن تختلف عنها تلك الّتي نعدّ بها، وليست صورة لها، وهي من ثمّة ذات كينونة أرقى*. ليسخرْ منّي إذ أقول هذا من لا يرى تلك الوقائع، وأنا من جهتي سأرثي لسخريته.

10-13 احتواء الذّاكرة على ذكرى تذكّر الأشياء

  20 بذاكرتي أحتفظ بكلّ تلك المعلومات، وأحفظ بها كذلك كيف تعلّمتها. سمعتُ كذلك كثيرا من المآخذ الموجّهة إليها خطأ وأحفظها في ذاكرتي. ورغم خطئها فما بالخطإ تذكّري لها. كذلك أذكر تمييزي بين تلك المعلومات الصّحيحة وهذه الانتقادات الخاطئة، وهناك فرق بين رؤيتي الآن أنّي أميّز بين تلك المعلومات والاعتراضات عليها، وبين تذكّري أنّي كثيرا ما ميّزتها كلّما فكّرت فيها. أتذكّر إذن أنّي أدركتُ تلك الحقائق مرارا، وما أميّزه الآن وأفهمه أخزّنه في ذاكرتي لأتذكّر لاحقا أنّي الآن أفهمه. وأتذكّر أنّي تذكّرت، وإن تذكّرتُ لاحقا أنّي أستطيع الآن تذكّرها فسأتذكّره بقوّة الذّاكرة* بالتّحقيق.

10-14 احتواء الذّاكرة على انفعالات النّفس

  21 تختزن ذاكرتي كذلك انفعالات نفسي لا بالنّحو الّذي تحملها به نفسي عند تأثّرها بها، بل بآخر مختلف جدّا خاصّ بقوّة الذّاكرة. إذ أتذكّر بدون فرح أنّي كنت فرحا* وأستعيد بدون حزن ذكرى حزن ماض، وأذكر بدون خوف أنّي خفت مرّة وأسترجع بدون رغبة ذكرى رغبة ماضية. بل قد أتذكّر بفرح حزني الماضي، وبحزن فرحي. ليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب فيما يتعلّق بالجسم: فالنّفس شيء والجسم غيره، ولا عجب بالتّالي أن أتذكّر ببهجة ألما ألمّ بجسمي في الماضي. أمّا الفكر فهو عين الذّاكرة، فإنّا حين نوصي أحدا بتذكّر أمر ما نقول: "ليبق هذا في فكرك"، ولمّا ننسى نقول: "لم يخطر بفكري" أو "غاب عن فكري"، داعين بالتّالي الذّاكرة نفسها فكرا، وما دام الأمر كذلك، فلماذا حين أتذكّر فرِحا حزني الماضي يحمل فكري فرحا وذاكرتي حزنا، فيفرح فكري بالفرح المنبثّ فيه، لكنّ ذاكرتي لا تحزن بالحزن المنبثّ فيها؟ أم أنّها غير متّصلة بالفكر؟ من يجرؤ على تأكيد ذلك؟ لا شكّ إذن أنّ الذّاكرة بمثابة البطن للرّوح، والفرح والحزن بمثابة طعامين حلو ومرّ: فلمّا يُسلَمان إلى الذّاكرة كما تُمرّر الأطعمة إلى البطن يمكن تخزينهما هناك، لكن لا يمكن أن يحتفظا بطعميهما. من السّخف لا شكّ التّفكير بأنّ هذه شبيهة بتلك، لكنّها ليست متباينة من جميع الوجوه.

  22 ها أنا أستحضر أشياء من ذاكرتي لمّا أقول إنّ للنّفس أربعة انفعالات: الرّغبة والفرح والخوف والحزن، وكلّ ما يمكنني تفصيله بشأنها بتقسيم كلّ منها إلى فروعه وتعريفها، فهناك أجده ومن هناك أستخرجه، ومع ذلك لا أتأثّر بأيّ من تلك الانفعالات وأنا أستعيدها على سبيل التّذكّر. وكانت قبل استحضاري لها واستخراجها توجد هناك، ولذا أمكن استخراجها بالتّذكّر. إذن قد يشبه استحضارها من قِبل الذّاكرة في عمليّة التّذكّر عمليّةَ استدعاء الطّعام من البطن لاجتراره. فلم لا يحسّ من يشرحها أي من يتذكّرها بحلاوة الفرح أو مرارة الأسى؟ أم يختلف الأمر في ذلك لأنّ الشّبه غير تامّ؟ ومن سيقبل التّحدّث عن هذه الانفعالات إن لزم، كلّما سمّينا الحزن أو الخوف، أن نحزن أو نخاف؟ مع ذلك ما كنّا لنتحدّث عنها لو لم نجد في ذاكرتنا، لا فقط جرس أسمائها حسب الصّور الّتي تطبعها حواسّ الجسم، بل كذلك مفاهيم تلك الأشياء ذاتها الّتي لم نتلقّها عبر أيّ من منافذ الجسد، بل عهدت بها إلى الذّاكرة النّفس التي أدركتها من خلال تجربة انفعالاتها، أو حفظتها الذّاكرة من تلقاء ذاتها دون أن يُعهد بها إليها.

10-15 حضور الأشياء في الذّاكرة

  23 لكن من يستطيع القول هل يتمّ ذلك بصور أم لا؟ أسمّي الحجر، أسمّي الشّمس، وغيرهما، وهذه الأشياء غير ماثلة أمام حواسّي، لكنّ صورها جاهزة بالتّحقيق في ذاكرتي. أسمّي ألم الجسم وهو غائب حاليّا، إذ لا شيء يؤلمني؛ لكن لو لم تكن صورته حاضرة في ذاكرتي لما فقهتُ ما أقول ولا ميّزته في فكري عن اللّذّة. أسمّي الصّحّة وأنا صحيح البدن. المسمّى موجود عندي الآن، لكن لو لم تكن صورته حاضرة في ذاكرتي لما تذكّرتُ بأيّة حال ماذا يعني هذا المفهوم. وما كان المرضى ليعرفوا، حين يتحدّث أحد عن الصّحّة أمامهم، المعنى المقصود لو لم تحفظ ملَكة الذّاكرة صورتها، حتّى في غياب واقعها عن الجسم. أذكر الأعداد الّتي نعدّ بها، فإذا هي، لا صورها، تحضر في ذاكرتي. أسمّي صورة الشّمس، فتحضر هي في ذاكرتي، إذ إيّاها لا صورة الصّورة أتذكّر: هي ذاتها تحت طلبي لمّا أتذكّر. أسمّي الذّاكرة وأعرف ما أسمّي. وأين لي بمعرفته في غير ذاكرتي ذاتها؟ فهل تحضر بصورتها بدل الحضور بذاتها؟

10-16 ذكرى النّسيان

  24 ماذا؟ حين أسمّي النّسيان وأتعرّف كذلك على ما أسمّي، من أين أتعرّف على واقعه سوى تذكّري له؟ لا أتحدّث عن جرس الاسم بل عن المسمّى الّذي يعنيه. ولو نسيته لما أمكنني قطّ التّعرّف على ما يعني لفظه. لمّا أتحدّث عن الذّاكرة، تكون الذّاكرة جاهزة بذاتها تحت طلبها هي ذاتها. لكن لمّا أذكر النّسيان تكون الذّاكرة حاضرة رهن الطّلب وكذلك النّسيان. الذّاكرة الّتي منها أتذكّر، والنّسيان الّذي أتذكّر. لكن هل النّسيان سوى فقدان الذّاكرة تحديدا؟ كيف يحضر إذن لأتذكّره والحال أنّي لا أستطيع عند حضوره أن أتذكّر؟ لكن إن كنّا نحفظ في ذاكرتنا ما نستعيد بالتّذكّر، وما كنّا من جهة أخرى لولا تذكّرنا النّسيان لنستطيع عند سماع اسمه التّعرّف على الواقع الّذي يعنيه، فالنّسيان بالتّالي محفوظ في ذاكرتنا. حاضر لدينا إذن بحيث لا ننسى ما عند حضوره ننسى. أم يُفهم من ذلك بالأحرى أنّه لا يوجد في الذّاكرة بذاته لمّا نتذكّره بل بواسطة صورته، لأنّه لو كان حاضرا بذاته لترتّب عن ذلك أن ننسى لا أن نتذكّر؟ من سيحلّ هذا اللّغز؟ من يفهم كيف يكون ذلك؟

  25 ها أنا اللّهمّ أَعْنى هنا وفي ذاتي أعنى: قد صرتُ لذاتي أرض مشقّة وعرق غزير. لسنا الآن نسبر أقطار السّماء، أو نقيس المسافات بين الكواكب، ولا نبحث عن وزن الأرض. أنا الّذي أتذكّر، أنا الرّوح. لا عجب في أن يكون ما ليس ذاتي بعيدا عنّي، لكن أيّ شيء أقرب إليّ منّي؟ وها أنا مع ذلك لا أفهم قوّة الذّاكرة الّتي فيّ، بينما لا أسمّي بدونها ذاتي. ماذا أقول وأنا واثق من تذكّري النّسيان؟ أأقول إنّ ما أتذكّر لا يوجد في ذاكرتي؟ أم أقول إنّ النّسيان موجود في ذاكرتي كيلا أنساه؟ كلا الافتراضين خُلف. ماذا عن ثالث؟ أيجوز أن أقول إنّ ذاكرتي تضمّ صورة النّسيان لا النّسيان ذاته لمّا أتذكّره؟ وكيف يجوز أن أقول ذلك بينما يقتضي انطباع صورة شيء ما في ذاكرتي كشرط مسبق حضور الشّيء ذاته الّذي يمكن انطباع تلك الصّورة منه؟ أتذكّر قرطاج مثلا، فأتذكّر كلّ الأماكن الّتي وُجدتُ فيها، كذلك هو الشّأن في وجوه النّاس الّتي رأيتُ، وكلّ أنباء الحواسّ الأخرى. بل كذلك هو الشّأن حتّى في صحّة وألم الجسد: فلمّا كانت هذه الوقائع حاضرة، التقطت الذّاكرة منها صورا أستحضرها وأجلبها من النّفس، لمّا أذكر تلك الوقائع في غيابها. إذن إن كان النّسيان محفوظا في ذاكرتي من خلال صورته لا بذاته، فقد كان حاضرا حتما لتلتقط صورته. لكن إن كان حاضرا فكيف أمكنه رسم صورته في ذاكرتي وهو ما يجدْ من شيء مسجّل يمحُه بحضوره؟ مع ذلك وبنحو ما، وحتّى إن استعصى ذلك النّحو عن الفهم والتّفسير، أنا واثق من تذكّري النّسيان الذي يمحو الذّكرى*.

10-17 تجاوز ملكة الذّاكرة للوصول إلى الله

  26 عظيمة هي قوّة الذّاكرة، وواقع رهيب يا إلهي تعدّدها العميق اللاّمتناهي. وتلك هي نفسي، وذاك أنا ذاتي. فما أنا اللّهمّ؟ من أيّة طبيعة أنا؟ حياة متنوّعة متعدّدة الأشكال فسيحة بنحو مريع. هي ذي حقول ذاكرتي وكهوفها ومغاورها الّتي لا تحصى والمليئة بأنواع لا تحصى من أشياء لا تحصى حاضرة بصورها، شأن كلّ الأجسام، أو بذاتها شأن العلوم أو من خلال فِكر وانطباعات* شأن انفعالات النّفس الّتي تحتفظ بها الذّاكرة حتّى في غياب تأثّر النّفس بها، بينما كلّ ما في الذّاكرة يوجد في النّفس: ها أنا أتنقّل عبر تلك الأقسام وأطير هنا وهناك وألج قدر ما أستطيع فلا أجد حدّا. بمثل ذلك العِظم هي قوّة الذّاكرة، بمثل ذاك العظم هي قوّة الحياة في الإنسان ذي الحياة الفانية. ما العمل إذن يا حياتي الحقيقيّة يا ربّ؟ سأجتاز أيضا هذه القوّة الموجودة فيّ المدعوّة بالذّاكرة جادّا في الوصول إليك يا أعذب الأنوار. ماذا تقول لي؟ ها أنا في صعودي بروحي إليك، أنت الثّابت في ذاتك فوقي، سأجتاز أيضا هذه القوّة المسمّاة ذاكرة يدفعني التّوق للوصول إليك حيث يمكن الوصول إليك، والارتباط بك حيث يمكن الارتباط بك. للدّوابّ أيضا وللطّيور ذاكرة، وإلاّ لما تذكّرت مرابضها ووكناتها، ولا الأشياء الكثيرة الّتي اعتادت. فما بمقدورها التّعوّد على شيء إلاّ بفضل الذّاكرة. سأتعدّى الذّاكرة إذن لأبلغ من ميّزني عن الدّوابّ وجعلني أكثر فطنة من طيور السّماء. سأجتاز الذّاكرة أيضا لأجدك، فأين أجدك أيّها الخير الحقّ والعذوبة الآمنة، أين أجدك؟ إن أجدك فيما وراء ذاكرتي، فمعنى ذلك أنّي لا أذكرك. وكيف سأجدك إذّاك إن لم أكن أذكرك؟

10-18 لا يمكن التّعرّف على شيء أضعناه بدون تذكّره

  27 أضاعت امرأة درهما فأخذت تبحث عنه بسراج ولو لم تتذكّره لما وجدته. حتّى لو وجدته كيف لها إن لم تتذكّره بمعرفة هل هو ضالّتها؟ أذكر أنّي بحثت عن أشياء كثيرة كنت قد أضعتها، ووجدتها. أعلم أنّي أثناء تفتيشي عن الواحد منها كان يقال لي: "ربّما هو هذا" أو "ربّما هو ذاك"، وأظلّ أردّد: "ليس هو"، حتّى يقدَّم إليّ ما أبحث عنه. فلو لم أكن أتذكّره، أيّا كان، حتّى لو قُدّم لي، لن أكتشفه لأنّي والحال تلك لن أتعرّف عليه. والشّأن كذلك دوما لمّا نبحث عن شيء أضعناه ونجده. إن اختفى عرضا شيء ما عن أعيننا لا من ذاكرتنا، سنبحث عنه إذّاك حتّى يعود إلى مرآنا. فإن وجدناه تعرّفنا عليه من صورته بداخلنا. ولا نقول إنّا وجدنا شيئا أضعناه إن لم نتعرّف عليه، وليس بمقدورنا التّعرّف عليه إن لم نتذكّره: إذ ضاع لا محالة بالنّسبة لأعيننا لكنّ ذاكرتنا ظلّت تحتفظ به.

10-19 لا يمكن البحث عمّا نُسي كلّيّا

  28 ماذا؟ لمّا تضيع الذّاكرة شيئا، كما يحدث حين ننسى، ونبحث محاولين أن نتذكّر، في أيّ موضع غير الذّاكرة نفسها نبحث عنه في نهاية الأمر؟ هناك إن اتّفق أن قُدّم لنا شيء مكانَ المطلوب، ندفعه، إلى أن يُعرض لنا ما نطلب، فحين يُعرض نقول: "هو ذا". وما كنّا لنقول ذلك لو لم نتعرّف عليه، ولا لنعرفه لو لم نتذكّره؛ ومن المحقّق مع ذلك أنّا نسيناه. أم هو لم يخرج من ذاكرتنا تماما، وإنّما أخذنا نبحث بالجزء المحفوظ عن الجزء المتبقّي منه، لإدراك الذّاكرة عجزها عن استعراض شريط الذّكريات كلّها معا كما اعتادت أن تفعل، ولرغبتها، بعدما جعلها كالعرجاء بترُ عادتها، في استرداد ما ينقصها؟ كما يحدث حين نرى بأعيننا شخصا نعرفه أو نفكّر فيه، وننسى اسمه، فنأخذ في البحث عنه، فإن عرض لنا اسم غير اسمه لم نقرنه به لأنّا لم نعتد التّفكير بالشّخص مقترنا بذاك الاسم، لذا ندفعه حتّى يحضر اسم يعود به التّرابط المألوف بالوجه الأوفق. ومن أين سوى الذّاكرة ذاتها يأتي؟ منها هي يأتي كذلك لمّا يذكّرنا به شخص فنتعرّف عليه، فنحن إذّاك لا نقبله كمعلومة جديدة، بل نتذكّره فنقبل أنّه ما قيل لنا. ولو التغى تماما من أنفسنا لما تذكّرناه عند تذكيرنا به فنحن لم ننس كلّيّا ما لا نزال نذكر أنّا نسيناه ولا يمكننا البحث إذن عمّا أضعنا إن نسيناه كلّيّا.

10-20 بحثنا عن السّعادة يعني وجودها في ذاكرتنا

  29 كيف أبحث إذن عنك يا ربّ؟ حين أبحث عنك أنت إلهي، أبحث عن حياة النّعيم. سأبحث عنك لتحيا روحي، فإنّ جسمي يحيا بروحي، وبك أنت تحيا روحي. كيف أبحث إذن عن حياة النّعيم؟ ما هي ملك يدي إلى أن أقول: "كفى هي هناك" لمّا يمكنني قول ذلك. كيف أبحث عنها، أبالتّذكّر لكوني قد نسيتها ولا تزال لديّ كشيء منسيّ، أم بتوقي إلى تعلّم شيء أجهله، سواء لأنّي لم أعلمه قطّ أو لأنّي نسيته إلى درجة عدم تذكّر نسيانه؟ أليست حياة النّعيم هي ما ينشده الجميع ولا يكرهه أحد بتاتا؟ أين عرفوها ليطلبوها بهذا النّحو؟ أين رأوها ليحبّوها؟ لا شكّ أنّا نملكها بنحو ما. هناك نحو يكون به سعيدا من يملكها، وآخر يكون به سعداء من يسعدون بارتجائها: هؤلاء يملكونها بنحو أدنى ممّن صاروا يملكونها ويسعدون بها فعلا، لكنّهم مع ذلك أحسن حالا ممّن لا يسعدون بالواقع ولا بالرّجاء. مع ذلك هؤلاء أنفسهم، لو لم يكونوا بدورهم يملكونها بنحو ما لما أرادوا بمثل تلك الحرارة أن يكونوا سعداء. فلا شكّ أنّهم يريدون ذلك. يعرفونها لا أدري كيف، ولهم بها إذن علم ما، أجتهد لأعرف إن كان في ذاكرتنا، فوجوده فيها دليل على أنّا كنّا سعداء في ما مضى. أكنّا جميعا كذلك فرديّا أم في الإنسان الّذي ارتكب الخطيئة الأصليّة، وفيه نموت جميعا، ومنه وُلدنا جميعا نحمل بؤس وضعنا؟ لا أبحث الآن في ذلك؛ إنّما أبحث عمّا إن كانت حياة النّعيم توجد في ذاكرتنا. فما كنّا نحبّها لو لم نعرفها. سمعنا هذا الاسم ونعلن أنّا جميعا نشتهي المسمّى، وليس الاسم وحده ما يستهوينا. فعندما يسمعه اليونانيّ منطوقا باللاّتينيّة لا ينجذب إليه، لجهله بمعنى اللّفظ. لكنّا نميل إليه مثله لمّا يسمعه يُنطق باليونانيّة. فما المسمّى في حدّ ذاته بيونانيّ ولا لاتينيّ هو الّذي يتوق لبلوغه اليونان واللاّتين والنّاس من كلّ لسن وأمّة. ذلك النّعيم إذن معروف للجميع، الّذين لو أمكن أن يُسألوا إن كانوا يريدون السّعادة لردّوا بصوت واحد ودون أدنى تردّد أنّهم يريدونها. وما أمكن أن يتمّ ذلك لو لم يكن الواقع نفسه الّذي هو اسمه محفوظا في ذاكرتهم.

<<