القدّيس أغسطينوس

 

الاعترافات

 

الكتاب الأوّل

 

حواش 

13

12

11

10

9

8

7

6

5

4

3

2

1

مقدّمة

 

1- الكتاب الأوّل

1-1 تسبيح

   1 عظيم أنت يا ربّ، و"مسبّح جدّا وليس لعظمتك استقصاء، ولا لعلمك إحصاء". والإنسان* يريد أن يسبّحك وهو جزء مهين من خلقك، الإنسان الذي يحمل في كلّ مكان فناءه، ويحمل حيثما كان أمارة خطيئته والشّهادة بأنّك "تقاوم المتكبّرين". مع ذلك يريد الإنسان ذاك الجزء المهين من خلقك أن يسبّحك. تحضّه على الابتهاج بتسبيحك فقد خلقتنا لنعود إليك وتظلّ قلوبنا قلقة إلى أن تستريح فيك. يسّر لي يا ربّ أن أعلم وأفهم إن كان أوْلى أن ندعوك أوّلا أو أن نحمدك، أن نعرفك أوّلا أو أن ندعوك. لكن من يدعوك وهو يجهلك؟ فقد يدعو سواك بدلا منك من يجهلك يا ربّ. أم يدعوك بالأحرى ليعرفك؟ "وكيف يدعون إلى من لم يؤمنوا به؟" وكيف يؤمنون بمن لم يُدع إليه؟ "سيسبّح الرّبّ ملتمسوه"، "فمن يطلبه يجده" ومن يجده يسبّحه. سأبحث عنك يا ربّ وأنا أدعوك وسأدعوك وأنا مؤمن بك فقد بُشّرنا بك؛ يدعوك يا ربّ إيماني الّذي وهبتَني وألهمتَني بناسوت ابنك ورسالة المبشّر بك*.

1-2 محلّ الله في نفس الإنسان

   2 وكيف سأدعو إلهي، إلهي وربّي، وأنا في ذاتي أدعوه حين أدعوه؟ وفي أيّ محلّ فيّ يأتي فيّ إلهي؟ أين يأتي فيّ الله "الذي صنع السّماء والأرض"؟ أفيّ اللّهمّ ربّي محلّ يسعك؟ وهل تسعك السّماء والأرض اللّتان خلقتَهما وفيهما خلقتني؟ أم لأنّ لا كائن يكون بدونك ما من كائن إلاّ وأنت فيه*؟ إذن بما أنّي كائن، لِم أطلب أن تأتي فيّ، أنا الّذي ما كنت لأوجد لو لم تكن فيّ؟ فما أنا بعد في الجحيم، وحتّى هناك أنت كائن. فحتّى "إن اضطجعتُ في الجحيم، فأنت حاضر" هناك. ما كنتُ إذن لأوجد يا ربّ، ما كنتُ لأوجد مطلقا، لو لم تكن أنت فيّ. أم الأوْلى أن أقول: ما كنتُ لأكون لو لم أكن فيك أنت الّذي "كلّ شيء هو منك وبك وإليك"؟ هو كذلك يا ربّ، هو كذلك. أين أدعوك، وأنا كائن فيك؟ ومن أين ستأتي فيّ؟ وإلى أين أنكفئ خارج السّماء والأرض ليأتي فيّ من هناك ربّي القائل: "إنّي مالئ السّماء والأرض"؟

1-3 محلّ الله في الكون

   3 أتحويك السّماء والأرض إذن ما دمتَ تملأهما؟ أم هل تملأهما وتبقى فضلة لأنّهما لا تسعانك؟ وأين تُفيض ما تبقّى بعد ملء السّماء والأرض؟ أم لا تحتاج إلى ما يحويك، أنت الذي تحوي كلّ شيء، فما تملأه إنّما تملأه باحتوائه؟ كلاّ، ليست الأوعية الملأى بك هي الّتي تحفظك فإنّك حتّى لو انكسرتْ لا تسيح. ولمّا تُفيض من علائك علينا من ذاتك لا تخرّ علينا، بل ترفعنا إليك، لا تتبدّد بل تلمّ شتاتنا. لكن أبكلّ ذاتك تملأ كلّ الأشياء الّتي تملأها؟ أم لأنّها كلّها لا تحويك كلّيّا تحوي جزءا منك، وهل كلّها تحوي معا نفس الجزء؟ أم يحوي كلّ واحد منها جزءه الخاصّ فللأكبر أكبر وللأصغر أصغر؟ أفيك إذن جزء أكبر وآخر أصغر؟ أم أنت بكلّيّتك في كلّ كائن، ولا شيء يحويك كلّيّا؟

1-4 عظمة الله

   4 ما أنت إذن يا إلهي؟ أسأل ما تكون غير الرّبّ إلهي؟ إذ "من إله غير الرّبّ"، ومن إله سوى إلهنا؟ يا من أنت العليّ الودود العزيز القدير البرّ الرّحيم، والخفيّ الجليّ البهيّ القويّ، الثّابت والممتنع عن الإدراك، المنزّه عن التّغيّر ومغيّر كلّ شيء، المنزّه أبدا عن الجدّة والبلى ومجدّد كلّ شيء ومورد المتكبّرين البلى وهم لا يشعرون، دائم الفعل وأنت في راحة دائمة، تجمع ولا يعوزك شيء، تحمل وتملأ وتحفظ، تخلق وتُقيت، تُتمّم وتبحث ولا يعزب عنك شيء، تحبّ ولا تتّقد وجدا، تغار بلا انكدار، تأسف بلا ألم، تغضب في صفاء، تغيّر أعمالك ولا تغيّر قضاءك، تتلقّى ما تجد وأنت لم تضعه أبدا، لا يمسّك فقر قطّ ويفرحك الرّبح، لا يصمك بخل وتطلب الرّبى*. تعطيك الخليقة فوق ما تطلب لتصير مدينا لها، ومن يملك شيئا ليس لك؟ تردّ الدّيون وأنت لا تَدين بشيء وتُسقط ديون مدينيك ولا تخسر شيئا. وماذا قلتُ يا ربّ، يا حياتي وملذّتي* القدسيّة وما عسى أن يقول أيّ أحد حين يتكلّم عنك؟ ويل لمن هم عنك صامتون فهم في هذرهم بكمٌ لا ينطقون*.

1-5 دعاء لتنقية قلبه

   5 من سيمنحني أن أستريح فيك؟ من سيمنحني أن تأتي في قلبي وتُنشيه لأنسى أدوائي وأحتضن خيري الأوحد، الّذي هو أنت. ما أنت بالنّسبة لي؟ ارحمني لأتكلّم. وما أنا نفسي عندك لتأمرني بحبّك، وتغضب عليّ إن لم أفعل وتتوعّدني ببؤس عظيم؟ أوَبؤس يسير ألاّ أحبّك؟ يا ويلتى! قل لي لأجل رحمتك يا ربّ ما أنت بالنّسبة لي. قل لنفسي: "أنا خلاصك". قل ذلك لأسمعه. ها هما أذنا قلبي أمامك يا ربّ فافتحهما وقل لنفسي: "أنا خلاصك". سأعدو وراء الهاتف لعلّي أمسكك. لا تحجب وجهك عنّي. لأمتْ لأراه فلا أموتَ.

  6 نفسي بيت أضيق من أن تحلّ فيه فافسحها، خربة هي فرمّمها، فيها ما يسوء عينيك: أعترف به وأعلمه. لكن من سينقّيها؟ ولمن سواك أجأر: "نقّني يا ربّ من أرجاسي الخفيّة، واعصمْ عبدك من سواها"؟ "آمنتُ ولذلك تكلّمتُ." يا ربّ أنت بي عليم. ألم أُقرّ لك يا ربّ على نفسي بمعاصيّ وغفرتَ إثم قلبي؟ لا أنازع في حكمك فإنّك أنت الحقّ ولا أحبّ خداع نفسي كيلا يكذب إثمي على نفسه. كلاّ لا أنازع في حكمك "فإن كنتَ للآثام راصدا يا ربّ يا سيّد، فمن يقف؟"*

1-6 الطّفولة

    7 اسمح لي مع ذلك بأن أتكلّم، أنا التّراب والرّماد أمام رحمتك، اسمح لي مع ذلك بأن أتكلّم فلرحمتك أتكلّم لا لإنسان سيضحك منّي. وقد تضحك منّي لكنّك إذ تنظر إليّ سترحمني. لا أريد أن أقول لك اللّهمّ سوى أنّي أجهل من أين أتيتُ إلى هنا، إلى هذا المقام الّذي لا أدري أأدعوه حياة ميّتة أو موتا ملتفعا بالحياة* وحيث تلقّتني ألطافك كما سمعت من أبويّ الجسديّين اللّذين من صلب أحدهما وفي رحم الأخرى جبلتني في الأجل الّذي قدّرتَ، فأنا نفسي لا أذكر ذلك. استقبلتْني إذن ألطاف رضاع بني البشر، وما كانت أمّي ولا مرضعاتي يملأن به أثداءهنّ بل أنت شئت أن تعطيني بواسطتهنّ القوت الّذي جعلتَ لطفولتنا وفق عنايتك الّتي رتّبت لكلّ خلائقك أرزاقها حتّى في جوف الكائنات. أنت الّذي كنت تمنحني كذلك القناعة بما تعطيني فلا أطلب المزيد، وتمنح مرضعاتي الرّغبة في إعطائي ما منحتهنّ، فكنّ بغريزة أُلهمنها بتدبيرك يرغبن في الإدرار عليّ بما آتيتهنّ غدقا. وكان خيرا لهنّ الخير الّذي أستمدّ منهنّ، والّذي لم يأتني منهنّ بل بواسطتهنّ: فمنك أنت اللّهمّ لا شكّ كلّ الخيرات ومنك أنت خلاصي. ذاك ما لاحظتُ لاحقا، حيث نبّهتَني إليه بما آتيتَني من نعم ظاهرة وباطنة. كنتُ إذّاك لا أعرف غير الرّضاع والنّوم في طمأنينة والبكاء كلّما ألمّ بجسمي ألم.

   8 ثمّ بدأت أبتسم، في المنام أوّلا ثمّ في اليقظة. ذاك ما أخبروني وصدّقتُ، فكذلك نرى أطفالا آخرين يتصرّفون، أمّا تصرّفي أنا نفسي فلا أذكره. ثمّ بدأتُ بالتّدريج أعي أين أوجد، وأريد إيصال رغباتي لمن يمكن بواسطتهم إرضاؤها، وما كنتُ أستطيع ذلك لأنّها كانت بداخلي وهم بالخارج، وما لهم من حاسّة تمكّنهم من الولوج في نفسي. فكنتُ أصدر في كلّ اتّجاه حركات وصيحات، علامات على رغباتي قليلة متاحة لي، وكيفما كان متاحا لي، إذ لم تكن تطابقها تماما. وكلّما امتنعوا عن الاستجابة لي، لأنّي لا أفهم أو مخافة أن يلحق بي أذى، أحنق من عصيان الكبار الأحرار غير الأرقّاء فأثأر منهم بالبكاء. تعلّمت أنّ الأطفال الّذين أتيح لي أن أتعلّم عنهم كذلك، وأبانوا لي وهم لا يعرفونني أكثر من مربّيّ الّذين يعرفونني أنّي كنت كذلك.

   9 وها أنّ طفولتي منذ أمد طويل ماتت وحيّا لا أزال أنا. أمّا أنت يا ربّ فإنّك حيّ سرمديّ، ولا شيء فيك يموت، فأنت كائن قبل بدء العالم وقبل كلّ ما يمكن القول إنّه سبقه، وأنت إله وربّ كلّ الكائنات الّتي خلقتَ، وعندك تقِرّ أسباب كلّ الكائنات غير القارّة، وتمكث العلل الثّابتة لكلّ المعلولات المتغيّرة وتحيا المسوّغات العقليّة السّرمديّة لكلّ الأشياء الزّمانيّة اللاّعقلانيّة. فقل لي إذ أتضرّع إليك يا إلهي الرّحيم بعبدك البائسِِ، قل لي هل تبعتْ طفولتي حياة ما، عشتُها وطواها الموت أم هي تلك الّتي عشتها في رحم أمّي؟ فقد خبّروني بها أكثر من مرّة ورأيت أنا نفسي نساء حوامل. وقبل تلك ماذا كنتُ يا ربّي وملذّتي؟ هل كنتُ في مكان ما أو كائنا ما؟ فليس لي من يخبرني بذلك: لا أبي ولا أمّي ولا تجربة الآخرين ولا ذاكرتي. أتضحك اللّهمّ منّي إذ أسألك عن هذه الأسرار، وتأمرني أن أسبّحك على ما أعلم؟

 10 أعترف لك يا ربّ السّماء والأرض وأسبّحك على بدء محياي وطفولتي الّتي لا أذكر، فقد منحتَ الإنسان أن يتخيّلها من خلال مشاهدة الآخرين، ويصدّق كذلك أمورا كثيرة عن نفسه معتمدا على أقوال مجرّد نسوة. إذّاك كنتُ، وكنت كذلك أحيا، وأبحث منذ أواخر طفولتي عن علامات أخبر بها الآخرين بمشاعري. من أين أتى ذلك الكائن الحيّ إن لم يأت منك يا ربّ؟ وهل لأيّ أن يكون صانع ذاته؟ وهل من مَعين استُمدّ هذا الوجود الّذي يسري فينا من كينونة وحياة سوى خلقك لنا يا ربّ، أنت الّذي لا فرق فيك بين الكينونة والحياة، فالكينونة السّنيا والحياة السّنيا حقيقة واحدة. أنت الكائن الأسنى الّذي لا تتغيّر: لا نهاية فيك لليوم الحاضر، ومع ذلك ففيك ينتهي، فكلّ ذلك كائن فيك، وما له من سبل يمرّ عبرها لو لم تكن أنت تحويه. "سنوك لا تفنى" فهي يوم حاضر متواصل*. كم من أيّامنا وأيّام آبائنا مرّت في يومك الحاضر هذا وتلقّت منه أقيستها ووُجدت فيه بنحو ما وستمرّ فيه أيّام أُخر وتتلقّى منه أقيستها ونمط وجودها. لكنّك باق أنت أنت، وكلّ ما يحمل الغد وما مضى به الأمس وكذلك ما تفعل حاضرا فعلتَه في يومك الحاضر هذا. ماذا بيدي إن لم يفهم أحد؟ ليفرحْ ويتساءلْ: ما هذه الأحجية؟ ليفرحْ مؤثرا وجدانك وهو لا يجدك على عدم وجدانك وهو يجدك*.

1-7 وهم براءة الطّفولة

   11 أصخْ إليّ يا ربّ. ويل لخطايا البشر! بشرٌ يقول هذا وأنت ترحمه فإنّك خلقته وما خلقتَ فيه الخطيئة. من يذكّرني بخطيئة طفولتي؟ فلا أحد أمامك بريء من الخطايا، حتّى الصّغير الّذي لا تتجاوز سنّه على الأرض يوما واحدا*. من يذكّرني؟ ألا يفعل أيّ طفل صغير أرى فيه ما نسيت بشأني؟ فيم كنتُ أخطَأ آنذاك؟ أحين أفغر فاي للثّدي باكيا؟ فلو فعلت اليوم مثل ذلك، لا ابتغاء الثّدي بل الغذاء المناسب لعمري، لضحك النّاس منّي وعابوا عليّ ذلك محقّين. كنتُ إذن آتي آنذاك أفعالا تستوجب الزّجر، لكن لأنّي لم أكن سأفهم لو زُجرتُ، ما كان العُرف والعقل ليسمحا بازدجاري. فبنموّنا ننبذ تلك الفعال ونطّرحها. وما رأيت أحدا عند تنقية متاع له يطّرح الحسنات على علم. أوَكان حسنا، ولو لمقتضيات تلك الفترة من عمري، أن أطلب بالبكاء حتّى ما كان فيه أذى لي، وأن أصبّ جامّ غضبي على أناس كبار أحرار غير أرقّاء، على والديّ وكذلك على كثير من النّاس العقلاء، لأنّهم لا يذعنون فورا لنزواتي، وأضربهم محاولا إيذاءهم قدر ما أستطيع لرفضهم الاستجابة لمطالبي الّتي في تلبيتها مضرّة؟ بريء إذن ضعف جسم الطّفل لا نفسه. أنا شخصيّا رأيت وراقبت طفلا تحت تأثير الغيرة: لم يكن يتكلّم بعد، وكان ممتقعا ويحدج أخاه بنظرات حميزة. من لا يعرف ذلك؟ تزعم الأمّهات والمرضعات التّخلّص من ذلك السّلوك بعقاقير ما. أوَمن البراءة ألاّ يحتمل، والحليب يثجّ من معين لا ينضب، أن يشاركه فيه أخ يعيش على نفس الغذاء وهو بأمسّ الحاجة إليه؟ لكنّا نتجاوز بحلم عن هذه التّصرّفات، لا لأنّها كلا شيء أو هفوات هيّنة، بل لأنّها مدعوّة للزّوال بتقدّم السّنّ. يُثبت ذلك كونُنا لا نتحمّل نفس التّصرّفات بطيب خاطر حين نلاحظها عند من هو أكبر سنّا.

   12 هكذا اللّهمّ أنت الّذي أعطيتَ للطّفل الحياة والجسم الّذي كما نرى حبوته بالحواسّ وزوّدته بالأطراف وزيّنتَه بصورة سويّة وبثثتَ فيه ما يحفظ وحدة كيانه، ولذا تأمرني بتسبيحك على نعمك و"الاعتراف لك والإشادة لاسمك أيّها العليّ"، لأنّك الله القدير الودود، حتّى لو لم تصنع غير تلك الأشياء الّتي لا يقدر على صنعها أحد سواك، أنت الواحد الّذي منك كلّ نمط وجود، أنت الصّورة المثلى مصوّر كلّ الكائنات ومنسّقها وفق ناموسك. لست أذكر إذن يا ربّ أنّي عشت تلك الحياة الّتي اعتمدت بشأنها على أقوال الآخرين وافترضت أنّي عشتها استنادا إلى مثل الأطفال الآخرين. ومهما بدا افتراضي أهلا للثّقة أتردّد في عدّها ضمن الحياة الّتي أعيش في هذا العالم. فهي، نظرا إلى غياهب نسياني، شبيهة تماما بالّتي عشت في رحم أمّي. وإن "وُلدتُ في الإثم وفي الخطيئة حبلتْ بي أمّي" فأين اللّهمّ، أسألك أين يا ربّ، أين ومتى كنتُ، أنا عبدك الّذي تعرف بريئا من الإثم؟ لكن هأنذا أُسقط تلك الفترة من حياتي، وما هي لديّ وأنا لا أذكر لها أثرا؟

1-8 الصّبا وتعلّم الكلام

  13 ألم آت متابعا مسيرتي إلى هذا الطّور من الطّفولة إلى الصّبا؟ أم ترى هو الّذي أتاني بالأحرى وخلف الطّفولة؟ ما مضت هذه، وإلاّ فأين ذهبتْ؟ مع ذلك لم تعد توجد إذّاك. فعلا لم أبق طفلا غير قادر على النّطق وصرت صبيّا أعرف الكلام. أذكر ذلك وعرفت لاحقا من أين تعلّمت الكلام. لم يكن الكبار يعلّمونني مقدّمين لي الكلمات حسب ترتيب معيّن وفق منهج ثابت شأن حروف الهجاء بُعيد تلك الفترة من عمري، بل بنفسي تعلّمته، بالفكر الّذي منحتني يا ربّ، كلّما أردت الإفصاح بشكاوى وصيحات شتّى وبشتّى الحركات لأعضائي عن مشاعر قلبي لتُحقَّق رغباتي. لم أكن أستطيع إيضاح كلّ ما أريد ولا لكلّ من أريد تبليغهم. كنت ألتقط بذاكرتي لمّا يسمّي الكبار اسما ما ويتحرّكون حسب الاسم نحو شيء ما، كنت أرى وأدرك أنّهم يطلقون على ذلك الشّيء الاسم الّذي ينطقون به إذّاك كلّما أرادوا الإشارة إليه. كنت أكتشف أنّهم يريدون تلك الأشياء كذلك من حركة أجسامهم، هذه اللّغة الطّبيعيّة المشتركة بين كلّ الأمم، والمتمثّلة في هيئة وإيماءة العينين وحركة الأعضاء الأخرى ونبرة الصّوت للدّلالة على شعور النّفس، لطلب الأشياء وحيازتها أو لاستبعادها واجتنابها. هكذا طفقتُ أجمع الكلمات الموضوعة في محلاّتها في شتّى الجمل والمتردّدة على سمعي للدّلالة على أشياء محدّدة، وأعبّر بواسطتها عن رغباتي بعد تدريب لساني على نطقها. وهكذا رحت أوصل لمن أعيش معهم إشارات أبيّن بها ما أريد الإفصاح عنه من الرّغائب. وتغلغلتُ أكثر في مجتمع البشر المصطخب وأنا لم أزل خاضعا لسلطة أبويّ ولمشيئة من هم أكبر منّي.

1-9 لعب الصّبيان والقمع

  14 إلهي إلهي، كم من خدع وشقاوات قاسيت هناك! كان يُعرَض عليّ وأنا صبيّ كمثال للحياة المستقيمة أن أطيع معلّميّ لأزدهر في هذا العالم وأتفوّق في فنون الكلام المستخدمة لنيل اعتبار النّاس والثّروات الزّائفة. سلّمني أهلي إلى المدرسة لأتعلّم القراءة الّتي كنت لبؤسي أجهل جدواها، وكلّما بدوت متقاعسا في التّعلّم تلقّيت الضّرب. كان الكبار يمتدحون هذا الأسلوب، وكثيرون عاشوا قبلنا اختطّوا لنا هذه الدّروب التّعيسة الّتي نجبر على المرور عبرها ذائقين مزيدا من الجهد والألم المقدوريْن لبني آدم. وجدتُ كذلك اللّهمّ أناسا يدعونك، وتعلّمتُ عنهم في وعيي بك قدر ما كان بوسعي أنّك كائن عظيم قادر، رغم عدم ظهورك لحواسّنا، أن تسمعنا وتستجيب لنا. بدأتُ صبيّا أدعوك يا ملجئي ومعتصمي، وحللتَ لأدعوَك عقد لساني. كنت أدعوك صغيرا، لكن بلهفة كبيرة، أن تعفيني من الضّرب في المدرسة. ولمّا لا تستجيب لدعائي غير مُجار حماقتي كان الكبار وحتّى أبواي اللّذان لا يريدان بي أدنى أذى يضحكون ممّا أنال من الضّرب، بلائي العظيم والأليم يومذاك.

  15 أيوجد أحد يا ربّ على قدر من ثبات الجنان وثيق الصّلة بك، أقول: أيوجد أحد يا ربّ استمدّ من انقطاعه لعبادتك – فالحمق يصنع نفس الشّيء أحيانا- قدرا من ثبات الجنان ليشهد بلا تأثّر الفلقة والأظافر وشتّى أدوات التّعذيب المماثلة الّتي يدعوك الصّبيان في كلّ بقاع الأرض بفزع شديد لتنقذهم منها، وهو يحبّ من يرهبونها هلعين، كما كان أبواي* يضحكان ممّا أتلقّى صبيّا من تلك العقوبات على أيدي معلّميّ؟ فما كنتُ أقلّ خشية لها ولا أفتر في دعائي لتنقذني منها ومع ذلك كنت أخطأ ببذلي في الكتابة والقراءة ودراسة النّصوص أقلّ ممّا كان مطلوبا منّي. وما ذاك لافتقاري للذّاكرة أو الذّكاء اللّذين شئتَ اللّهمّ أن تمنحني منهما قدرا كافيا لمثل سنّي. لكن كان اللّعب يستهويني ويعاقبني عليه من يتصرّفون مثلي. إلاّ أنّ ألعاب الكبار تدعى شؤونا، ومع أنّ ألعاب الصّغار شبيهة بها يعاقبهم الكبار عليها، ولا أحد يرحم الصّغار أو الكبار أو كلا الفريقين. وهل يوافق قاض منصف خبير على ما كنتُ أنال من الضّرب لا لشيء إلاّ لأنّ لعب الكرة كان يستهويني في صباي فيحول دون أن أتعلّم بالسّرعة المطلوبة القراءة والكتابة اللّتين سألعب بهما لاحقا بنحو أسوأ؟ وهل كان يفعل غير ما أفعل من يضربني، هو الّذي لو غلبه زميله في مسألة تافهة لعذّبته المرارة والموجدة أكثر منّي كلّما غلبني أحد أقراني في لعبة الكرة؟

1-10 خطايا الصّبا

  16 ومع ذلك كنت أخطَأ يا ربّي وإلهي خالق ومنسّق كلّ كائنات الطّبيعة، إلاّ الخطايا فما أوجدتَها. أجل كنتُ أخطأ اللّهمّ بفعل ما يخالف وصايا أبويّ ومعلّميّ. فقد كان بإمكاني أن أستخدم لاحقا في وجوه الخير القراءة والكتابة اللّتين كانوا حريصين على أن أتعلّمهما أيّا كانت نواياهم بشأني. كنت أعصيهم لا لميلي إلى خيار أفضل، بل لشغفي باللّعب، إذ كنت أحبّ تحقيق انتصارات في المباريات تملأني كبْرا، وكانت القصص الخياليّة تدغدغ أذنيّ فيشتدّ شوقهما إلى المزيد، ويلتمع أكثر وأكثر في عينيّ نفس الفضول لمشاهدة عروض التّسلية الّتي هي ألعاب الكبار، ويحظى لاعبوها بشرف رفيع يجعل جُلّهم يختارونها مهنة لأبنائهم، وإن قبلوا بطيب خاطر معاقبتهم إن شغلتهم عن الدّراسة الّتي يرجون أن تمكّنهم في المستقبل من تقديم مثلها. فانظر يا ربّ برحمة إلى هذه التصرّفات ونجّنا نحن الّذين ندعوك وأوزع من لم يدعوك بعد ليدعوك فتنجّيهم.

1-11 إرجاء تعميده

  17 سمعتُ وأنا لا أزال صبيّا عن الحياة الأبديّة الّتي وُعدنا باتّضاع ربّنا وسيّدنا الّذي نزل إلى كبْرنا، ووُسمتُ بعلامة صليبه ورُششتُ بمائه المقدّس منذ خروجي من رحم أمّي الّتي وضعتْ فيك رجاء كبيرا. رأيتَ اللّهمّ، كيف أُصبتُ في معدتي يوما، وأنا لا أزال صبيّا، بمغص مفاجئ أشفيت منه على الموت. رأيتَ يا ربّ لأنّك حارسي بأيّ حماس وبأيّ إيمان طلبتُ تعميد مسيحك ربّي وسيّدي من تقوى أمّي وأمّنا جميعا كنيستك*. فتأثّرتْ أمّي الجسديّة كثيرا لأنّها كانت تعلّق أهمّيّة أكبر على مولد خلاصي الأبديّ من قلبها الطّاهر في الإيمان بك، وأخذت تُعدّ بعجل لأتلقّى أسرارك* المخلّصة وأتنقّى من الإثم، معترفا لك يا ربّي يسوع لتغفر ذنوبي، لولا أنّي تماثلت سريعا للشّفاء، فأُرجئ تعميدي، كما لو كان لا بدّ أن أتنجّس أكثر إن عشتُ. إذ يزداد باديَ الرّأي وزر وخطر الآثام بعد التّعميد على العائد إلى أوشال الخطايا. كذلك كنتُ أعتقد وهي كذلك وكلّ الأسرة باستثناء أبي الّذي لم يمح مع ذلك فيّ حقوق برّ الأمومة ولا صرفني عن الإيمان بالمسيح الّذي لم يكن آمن به بعد. كانت لا تدّخر جهدا لتكون أنت لي أبا بدلا منه يا ربّ، فتعينها على غلبة زوجها الّذي كانت تخدمه وهي أفضل منه فإنّما كانت في ذلك تخدمك ممتثلة لأوامرك.

  18 أدعوك اللّهمّ، أحبّ أن أعلم إن شئتَ لي أن أعلم لأيّة حكمة أُجّل إذّاك تعميدي، وهل كان خيرا لي أن أُرخيَ لي العنانُ لارتكاب الخطايا أم لا. لماذا تنمي إذن إلى أسماعنا باستمرار في كلّ مكان مثل هذه الأقوال: "دعه يفعل فهو لم يُعمّد بعد"؟ مع ذلك لا نقول إن تعلّق الأمر بسلامة الجسم: "دعه يتلقّ مزيدا من الجراح فهو لم يُشْفَ بعد." حبّذا لو شُفيت سريعا وبوجه أفضل، وأتيح لنفسي، بفضل حرصي وحرص ذويّ، أن تأوي، وقد تلقّتْ خلاصها، إلى حماك الآمن، أنت الّذي ستهبها الخلاص. حبّذا لو تمّ ذلك. فما أكثر وأعتى ما كانت تبدو لجج غوايات ما بعد الصّبا! ذلك ما كانت أمّي تعلمه، وتفضّل أن آثم وأنا صلصال معدّ للتّصوير لاحقا على أن آثم وقد تلقّيتُ الصّورة.

1-12 حكمة الله في استخدام خطايا البشر

  19 لكن حتّى في الصّبا الّذي كان يُخشى عليّ منه أقلّ من الشّباب، كنت لا أحبّ الدّراسة، وأكره أن أُجبَر عليها. مع ذلك كنتُ مجبرا عليها وفي ذلك خير لي ولم أكن أفعل خيرا لي فما كنتُ لأتعلّم لو لم أجبَر قسرا. والحال أنّ لا أحد يفعل خيرا إذ يفعل شيئا مكرها حتّى لو كان ما يفعل خيرا*. وما كان من يُكرهونني على ذلك يفعلون خيرا، وإنّما كان يحصل لي الخير منك أنت يا ربّ. كان همّهم الوحيد في إكراههم لي على التّعليم ريّ ظمإ لا يرتوي إلى عوز باذخ ومجد مخزٍ*. لكنّك أنت الّذي "شعر رؤوسنا جميعه محصى لديك" كنتَ تستخدم لصالحي خطأ الجميع المصرّين على تعليمي، وتستخدم كذلك خطئي أنا الّذي كنت أبغضه لتنزل بي العقاب الّذي أستحقّ أنا الحدث الصّغير والخطّاء الكبير على حداثتي. هكذا إذن بواسطة أناس لا يفعلون خيرا، كنتَ تفعل لي خيرا، وتكافئني على ذنبي جزاء وفاقا. فقد قدّرتَ وكذلك كان، أن تكون كلّ نفس تحيد عن سواء السّبيل لذاتها عقابها.

1-13 أباطيل الشّعر

  20 لكن لِم كنتُ أبغض دراسة اليونانيّة الّتي فُرض عليّ تعلّمها منذ صغري؟ ذاك ما لم يتّضح لي إلى اليوم بقدر كاف. فقد كنتُ بالعكس أحبّ اللاّتينيّة، لا الّتي يدرّسها معلّمو المدرسة الابتدائيّة، بل الّتي يلقيها من يُدعوْن أساتذة*. فما كانت الدّروس الابتدائيّة، حيث يتعلّم الصّبية القراءة والكتابة والحساب في نظري أقلّ إملالا وإرهاقا من كلّ الدّروس اليونانيّة. لكن من أين أتى نفوري منها إن لم يأت من الخطيئة وزيف الحياة، من أنّي جسد و"روح هائم لا يعود"؟ فأفضلَ بالتّحقيق، لأنّها أثبت، كانت تلك الدّروس الابتدائيّة الّتي بفضلها تعلّمت أن أقرأ إن وجدتُ شيئا مكتوبا وأكتب إن خطر لي أن أكتب شيئا، من الّتي كنت مجبرا من خلالها على حفظ أخطاء رجل يدعى أينياس* ناسيا أخطائي الذّاتيّة، وبكاء موت علّيسة* الّتي انتحرت بسبب حبّها، بينما أرضى في طفاح بؤسي، ولا عبرة في عينيّ، إماتة ذاتي في تلك التّرّهات بعيدا عنك يا ربيّ وحياتي!

  21 وهل أشقى حقّا من شقيّ لا يرثي لشقائه يبكي موت علّيسة من حبّ أينياس غير باك موته من عدم حبّه لك يا ربّي ونور قلبي وفم مهجتي الباطن وقوّة تلقح روحي ومستقرّ أفكاري. لم أكن أحبّك بل كنت "أزني"* بعيدا عنك، وفي زناي أسمع من كلّ صوب: "مرحى! مرحى!". فمحبّة هذا العالم فجور يبعدنا عنك ويقال لكلّ منّا: "مرحى! مرحى!ا" ليخجل إن لم يتصرّف بذلك النّحو*. كنت لا أرثي لحالي وأرثي لعلّيسة الّتي قضت متّبعة بالسّيف أقصى قرار، متّبعا أنا نفسي أدنى خلقك، وتراباً رحتُ نحو التّراب. ولو مُنعتُ من قراءة تلك الأباطيل لألمتُ لحرماني من قراءة ما فيه السّقم والألم. تلك التّرّهات تُعدّ أدبا أرفع وأنفع من الدّروس الّتي بفضلها تعلّمت القراءة والكتابة.

  22 لكن ليهتف الآن ربّي في أعماق نفسي وليقل لي حقّك: "ليس كذلك! ليس كذلك!" بل التّعليم الأوّل بلا جدال أفضل؛ فها أنا اليوم أكثر استعدادا لنسيان أخطاء أينياس وكلّ ما شابه ذلك منّي لنسيان القراءة والكتابة. هناك ستائر مسدلة على أعتاب المعاهد الإعداديّة لكنّها لا تعني شرف الأسرار المدرَّسة فيها بقدر ما هي ستار للأباطيل المردّدة داخلها. فلا يزعقْ ضدّي من لم أعد اليوم أخشاهم فإنّي أعترف لك يا ربّ بما تبتغي نفسي وأقرّ إدانة مسالك الباطل الّتي اتّبعت في ماضي حياتي لأحبّ طرقك القويمة. لا يزعقْ ضدّي باعة وشراة علوم اللّغة كما يدعونها! فلو سألتهم إن كان حقّا أنّ أينياس أتى إلى قرطاج يوما كما يزعم الشّاعر* لردّ أقلّهم علما أنّهم لا يعلمون، بينما سيردّ أعلمهم أنّ ذاك غير صحيح. لكن لو سألت كيف يُرسم اسم أينياس لأعطاني كلّ من تعلّموا الخطّ الرّدّ الصّحيح وفق ما تعارف واصطلح* النّاس عليه من رموز وقواعد. ولو طلبت أيّهما أزعج لحياتنا نسيان القراءة والكتابة أو نسيان تلك الصّور الشّعريّة، من لا يرى بماذا سيردّ من لم يفقد الصّواب تماما؟ كنتُ أخطَأ إذن وأنا صبيّ في إيثاري تلك التّرّهات على هذه الدّروس الأجدى، أو بتعبير أصحّ في بغضي هذه وحبّي تلك. كذلك كانت اللاّزمة: "واحد وواحد اثنان، اثنان واثنان أربعة" تنفّرني بينما أستسيغ مشاهد زائفة كالحصان الخشبيّ المليء بالمحاربين وحريق طروادة وظلّ كريوسة* نفسها.

1-14 التّعليم بين التّلقائيّة والإكراه

  23 لماذا إذن كنت أكره الأدب اليونانيّ المتغنّي بتلك الأعمال؟ فهوميروس بارع في حبك مثل تلك الأساطير ويروي أباطيل نستلذّها ومع ذلك كنت لا أستسيغه في صباي. وأظنّ فرجيليوس هو الآخر منفّرا للصّبية اليونان إن أُكرهوا على تعلّمه كما كنتُ أُكرَه على تعلّم ذاك. لا شكّ عندي أنّ الصّعوبة المقترنة بتعلّم لغة أجنبيّة عموما هي الّتي كانت ترشّ علقمها إن جاز التّعبير على كلّ تلك الأساطير اليونانيّة فيفسد حلاوتها؛ كنت لا أفهم تلك الألفاظ وأتعرّض للتّرهيب والعقاب لأتعلّمها. فقد كنتُ كذلك لا أعرف كلمة من اللاّتينيّة وأنا أصغر سنّا أيّام طفولتي ومع ذلك تعلّمتها بلا خوف ولا عذاب وسط ملاطفات مربّياتي والدّعابات والضّحكات والأفراح والألعاب. تعلّمتها بلا عقاب ولا قسر أو إلحاح، يحدوني قلبي فقط إلى توليد مصطلحاتها. ولم يتمّ لي ذلك إلاّ لأنّي كنت أتعلّم كثيرا من ألفاظها لا من مدرّسين بل من أناس يتكلّمون على سليقتهم وألقي في آذانهم بما يختلج فيّ. من هنا يتّضح بقدر كاف أنّ لذلك الفضول العفويّ قدرة أكبر على التّعليم من القسر المقترن بالخوف. لكنّ هذا القسر يحدّ تفلّته يا ربّ وفق نواميسك القويمة الّتي من درّة المعلّمين إلى عذابات الشّهداء تمزج لنا مراراتها الشّافية لتعيدنا إليك من الحلاوة الموبوءة الّتي زغنا إليها بعيدا عنك*.

1-15 استثمار ثقافته في خدمة الله

  24 اللّهمّ أصخْ إلى صلاتي كيلا تخور نفسي تحت إصر منهجك، ولا أخور في الاعتراف لك برحماتك الّتي انتشلتَني بها من "طرقي الشّرّيرة" لتعذُب لديّ أكثر من كلّ الغوايات الّتي كنتُ أتّبعها ولأحبّك بكلّ قواي ولأقبّل يدك من كلّ قلبي، ولتنتشلني من كلّ الغوايات حتّى نهاية عمري. ليخدمْك يا ربّ، "يا ملكي وإلهي"، ما تعلّمتُ صغيرا من علم ينفع، ليخدمْك أن أعرف كيف أتكلّم وأكتب وأقرأ وأحسب. فلمّا كنتُ أتعلّم الأباطيل كنتَ تعطيني منهجك وغفرت لي خطيئة التذاذي بتلك الأباطيل. تعلّمتُ فيها كثيرا من الكلمات النّافعة يمكن تعلّمها أيضا في دراسة مواضيع جدّيّة، وذاك هو الطّريق المأمون الّذي يمكن أن يسير عليه الصّبيان.

1-16 مضارّ الإرث الثّقافيّ الوثنيّ

  25 لكن ويل لك يا سيْل العادة* البشريّة! من يقاومك؟ حتّام تظلّ تدفق ولا يجفّ مجراك؟ حتّام تجرف بني حوّاء في بحر لجب رهيب يعبره بشقّ الأنفس المبحرون فيه على خشبة الصّليب؟ ألم أقرأ فيك عن يوبتر* مرعد وزان؟ ما كان يمكن قطعا أن يجمع الصّفتين، لكن قُدّم بحيث يُتّخَذ مثالا يحتذى لغاوي الزّنا الحقيقيّ بفضل رعده الكاذب. مَن تُرى ممّن يحملون عباءة التّعليم يسمع ولا يتحرّك له ساكن إنسانا قُدّ من نفس التّراب يهتف: "تلك صفات بشريّة ينسبها خيال هوميروس للآلهة، وليته بالأحرى نسب لنا صفات الآلهة"؟ الأصحّ أن يقال إنّه لا شكّ ابتدع من خياله تلك الأساطير، لكنّه بإضفاء شرف الألوهة على أناس فجرة قصد ألاّ تبدو مخازيهم مخازيَ، وأن يبدو فاعلها كمن يقلّد لا بشرا ضالّين بل آلهة السّماء.

  26 مع ذلك يُلقى فيك أيّها النّهر السّفليّ* بنو البشر مع رسوم ليتعلّموا تلك الأمور، وأيّ شأن عظيم أن يتمّ ذلك أمام العموم في القصبة* وبمرأى القوانين الّتي تمنح راتبا حكوميّا فضلا عن رسوم التّعليم، وأنت تخبط صخورك في اصطخاب مجلجلا: "من هنا يتعلّم المرء الكلام، من هنا يكتسب البلاغة الّتي هو بأمسّ الحاجة إليها لإقناع غيره بأفكاره وبيان ما يقصد من معان". هكذا إذن ما كنّا سنعرف كلمات "كمطر وذهب وحضن وتنكّر وقبّة السّماء" وألفاظا أخرى وردت في نفس المقطع لو لم يقدّم لنا ترنتيوس* فتاه الباغي الّذي اتّخذ يوبتر قدوة للفجور بينما كان يتأمّل لوحة مرسومة على الجدار تصوّر كيف بعث يوبتر في حضن دناية* كما تزعم الأسطورة مطرا من التّبر متنكّرا للفتاة في ذلك الزّيّ؟ وانظر كيف يحرّض نفسه على الفسق وفق دروس معلّمه السّماويّ: "وما أدراك من هو بين الآلهة! ذاك الّذي كما يقول تخرّ من رعده السّماوات العلى. أفلا أفعل أنا الإنسان الضّعيف ذلك؟ ففعلتُ وبكلّ سرور." كلاّ ثمّ كلاّ؛ ما تَعلُّمُ تلك الكلمات بواسطة هذا الخزي بأيسر، بل بواسطة هذه الكلمات يؤتى ذلك الخزي بثقة في النّفس أكبر. لا أتّهم الألفاظ فهي بمثابة أوعية نفيسة منتقاة*، بل أتّهم خمرة الخطإ الّتي سكبها لنا فيها معلّمون سكارى، وإن امتنعنا عن الشّرب منها ضربونا، وليس بوسعنا التّنافذ إلى حكَم صاح. ومع ذلك فإنّي يا ربّي الّذي قدّامك أستعيد ذكراي بطمأنينة تعلّمت تلك التّرّهات بكلّ سرور، وكنت لبؤسي ألتذّ بها، وأُعَدّ بسببها صبيّا مبشّرا بأطيب الرّجاء.

1-17 تعليم الأباطيل للصّبيان

  27 اسمح لي يا ربّ بأن أتكلّم عن فطنتي الّتي هي هبتك، وعن السّخافات الّتي كنت أهدرها فيها. كان يُطلب منّي عمل يشوّش بالي بما يثير فيّ من رغبة في الثّناء وخوف من الاندحار أو الضّرب: كأن ألقي أقوال يونون* وهي تتميّز غضب وتتألّم لعجزها عن ثني ملك الطّرواديّين عن إيطالية، وهي أقوال ما سمعت يونون قالتها، إنّما كان يُفرض علينا أن نتّبع آثار أخيلة الشّعراء الضّلّيلة، وأن نلقي نثرا ما نظموه شعرا. وكان أحقّنا بالثّناء والتّكريم على إلقائه من يبذّ الآخرين في تصنّع الغضب والألم وإبراز مهابة الشّخصيّة الّتي يمثّلها، وإلباس المعاني أنسب الكلمات. لكن ما كان شأني بكلّ ذلك يا ربّي الّذي أنت الحياة الحقيقيّة؟ وأيّة فائدة كنت أجني لمّا ألقي تلك الأقوال أمام حشد من لداتي وأقراني في الدّراسة فيهتفون في استحسان؟ أليس كلّ ذلك ريحا ودخانا؟ أما كان ثمّة من مجال سوى هذا الباطل لتتمرّس فطنتي وينطلق لساني؟ كان يمكن يا ربّ أن تدعم عريشَ قلبي تسابيحُك بلسان كتابك، فلا تخطفَه لُقاطةً تلفةً طير السّخافات الباطلة. فبأكثر من طريقة يضحّى للأملاك الخارجين على طاعتك.

1-18 مضارّ التّركيز على الدّراسات الأدبيّة

  28 أعجبٌ أن أمورَ بذاك النّحو في الأباطيل وأتيه بالخارج بعيدا عنك يا ربّ، بينما يقدَّم لي قدوةً أناسٌ يخسؤون إن أُخذتْ عليهم في رواية أفعال كريمة عن أنفسهم عُجمة أو هفوة نحويّة، وتملأهم خيلاء الإشادةُ ببلاغتهم إن رووا مخازيهم بعبارات سليمة متّسقة وتراكيب منمّقة؟ اللّهمّ إنّك ترى هذه الانحرافات وتصمت، فإنّك "طويل الأناة وافر الحقّ والرّحمة". فهل ستستمرّ دوما في صمتك؟ ها أنت الآن تنقذ من هذه الهاوية السّحيقة نفسا تلتمسك وتتشهّى مستلذّاتك، ومن الصّميم تناجيك: "وجهَك التمستُ ووجهَك ألتمس يا ربّ"، فبعيدا عن وجهك نتخبّط في ظلمات الهوى. وما بالقدمين وفي حيّز المكان نبتعد عنك أو نعود إليك، كلاّ ولا مطي ابنُك الأصغر في ذاك المثل الخيل أو المراكب أو السّفائن، ولا طار بأجنحة مرئيّة أو سار على الدّروب محرّكا رجليه ليعيش في بلاد بعيدة مبدّدا ما أعطيته عند انطلاقه أنت الأب الرّقيق بما أعطيتَه والأرقّ باستقباله إذ آب معدما إليك*. فاتّباع الهوى والشّهوات تخبّطٌ في الظّلام وبعدٌ عن وجهك.

  29 ألا انظر يا ربّ وأبصر بأناة حلمك كما تنظر دوما، كيف يراعي بنو البشر بالتزام دقيق اصطلاحات عن الحروف والألفاظ استمدّوها ممّن سبقهم من المتكلّمين ويهملون المواثيق الأبديّة المتعلّقة بخلاصهم الأبديّ والمتلقّاة منك. حتّى أنّ من يعلم أو يعلّم الاصطلاحات الألسنيّة العتيقة إن خالف الأصول المتّبعة عن مخارج الحروف ناطقا كلمة "إنسان" homo بدون إشباع في المقطع الأوّل يغيظ النّاس أكثر ممّا إن كره خلافا لتعاليمك إنسانا وهو ذاته إنسان. كما لو أنّ أيّ عدوّ له شرّ من حقده ذاته، أو كما لو أنّ تدميره غيره بملاحقته بالأذى أفدح من تدميره قلبه هو بهذا العداء. ما علوم الأدب قطْعا بأعمق في قلوبنا من ضميرنا المكتوب بها، الّذي ينهانا عن أن نفعل لغيرنا ما نكره أن يفعل لنا. ما أخفى تدبيرك يا ربّ العزّة الأحد المقيم في صمت علاك، ناشرا بناموسك الّذي لا يكلّ عمًى على أهوائنا الأثيمة عقابا لنا. هوذا إنسان يتطلّع إلى شهرة الفصاحة، يلاحق أمام قاض إنسان ووسط حشد من البشر خصمه بحقده المسعور يحترس بتيقّظ لئلاّ يقول "بين ناسٍ" ( بدل أُناسٍ)  inter ominesولا يحترس لئلاّ يخترم حقده المسعور إنسانا من بين النّاس.

1-19 الخطيئة في ألعاب الصّبا

 30 على عتبة ذلك الملعب السّلوكيّ كنتُ لشقائي أثوي وأنا صبيّ، وكان معتركي وجِلادي في تلك الحلبة، حيث كنتُ أخشى هفوات اللّحن أكثر ممّا أحترس، إن أتيتها، من حسد مَن هم أسلم منّي نطقا. أبوح وأعترف لك يا ربّ بهذه النّقائص الّتي كانت تجلب لي مديح الآخرين الّذين كنت أرى شرف العيش في نيل رضاهم، وما كنت أرى بؤرة الخزي الّتي "انقطعت فيها من أمام عينيك". وهل كان يوجد حينذاك أبشع منّي بتلك التّصرّفات الّتي كان الجميع يستهجنونها منّي، بخداعي الخادم المرافق لي إلى المدرسة ومعلّميّ وأبويّ بأكاذيب لا تحصى، وبحبّي المفرط للّعب، وولعي بمشاهدة عروض التّسلية التّافهة، وحرصي على تقليد تلك الألعاب؟ كنت كذلك أختلس من خوان وبيت مؤن أسرتي انقيادا لجشعي أو قصد الحصول على ما أعطي للصّبيان مقابل تشريكي في ألعابهم، وهم ما كان يروق لهم مثلي لكنّهم يبيعونه لي. وكثيرا ما كنت في ذلك اللّعب أغشّ لأفوز بانتصارات احتياليّة مدفوعا بحبّ البروز الزّائف. وهل كان يوجد شيء يثير غضبي واستنكاري كاكتشافي لدى الآخرين مثل ما كنت أفعل؟ وإن اكتُشف غشّي فأثار إنكار الآخرين أوثر العنف على التّسليم بحقّ الغير. أفتلك هي براءة الأطفال؟ لا توجديا ربّ، لا توجد اللّهمّ رحماك. فمن مرافقينا إلى المدرسة ومعلّمينا ومن الكجج والكور والعصافير، إلى الولاة والملوك وإلى الذّهب والعقارات والمماليك، الأمر واحد؛ وبمرّ الأيّام وتعاقب مراحل العمر تخلف هذه تلك حتما كما تعقب الفلقةَ عقوبات أشدّ. وإنّما مدحتَ في صغر قامة الصّبيان رمزا للتّواضع يا ملكنا إذ قلتَ: "لمثل هؤلاء ملكوت السّماء"*.

1-20 نِعم الله على الإنسان في صباه

  31 ومع ذلك لك يا ربّ خالق ومالك الكون عظيم الجودة، عظيم الحمد حتّى لو شئتَ لي ألاّ أتجاوز الصّبا. فحتّى إذّاك كنتُ كائنا حيّا أحيا وأحسّ وأعتني بسلامتي، أثرَ الوحدة الخفيّة الّتي تجعلني كيانا قائما، وأرعى بحسٍّ باطنٍ سلامةَ حواسّي، وفي أفكاري الصّغيرة عن أمور صغيرة ألتذّ بالحقّ. كنتُ أكره أن أُخدع، وأتمتّع بذاكرة قويّة وأجيد الكلام وأستعذب الصّداقة وأفرّ الألم والخسّة والجهل. فهل في ذلك الكائن الحيّ الصّغير ما لا يستحقّ الإعجاب والثّناء؟ لكنّ كلّ تلك الصّفات هبات إلهي وما وهبتُها ذاتي وهي حسنات ومجموعها يؤلّف ذاتي. حسن إذن من صنعني وهو مصدر الخير فيّ، إيّاه أحمد على كلّ تلك النّعم الّتي كنت بها أوجد حتّى وأنا صبيّ. لكنّي كنت أخطأ في بحثي عن الملاذّ والمعالي والحقائق لا فيه هو بل في خلائقه، في نفسي وفي الآخرين*، ملقيا بذلك نفسي في الآلام والارتباكات والأخطاء. أحمدك اللّهمّ يا ملذّتي وعزّتي وثقتي، أحمدك على هباتك فاحفظها لي، فبذلك ستحفظني وتزداد وتكتمل هباتك، وسأكون معك فأنت منحتني كذلك أن أكون.