أبوليوس

 

الحمار الذّهبيّ

 

الكتاب الثّامن

 

حواش

11

10

9

8

7

6

5

4

3

2

1

مقدّمة

 

8- الكتاب الثّامن

8-1 أخبار سيّئة

لمّا أعلن صياح الدّيكة عن رحيل اللّيل، قدم من المدينة المجاورة شابّ بدا لي أنّه أحد خدم خريطة، الفتاة الّتي قاست معي عند اللّصوص مثل محني. فأخذ يروي، جالسا قرب النّار بين مجموعة رفاقه أخبارا غريبة وفظيعة عن هلكتها ودمار كلّ أسرتها. "أيّها السّوّاس والرّعاة والبقّارة، لقد قضت مولاتنا خريطة، قضت المسكينة في حادث مروّع نحبها؛ لكنّها لم تذهب إلى عالم الأشباح وحدها. لكن لتعلموا كلّ شيء سأروي لكم كلّ الأحداث من البداية، ولعمري إنّها تستحقّ أن يدوّنها في واحد من كتب السّير فطاحل الأدباء الّذين منحهم الحظّ ملكة الكتابة. كان يوجد في المدينة المجاورة شابّ آتاه كرم محتده جاها ومالا، لكنّه منغمس في مفاسد القصف والمجون وفي معاقرة الخمر نهارا، ومرتبط برفاق سيّئين من عصابات المجرمين، بل وملوّث اليدين بالدّم البشريّ كذلك، يدعى ثراسلّوس*؛ كذا كان وشاع عنه ذلك.

8-2 حبّ من جانب واحد

لمّا بلغت خريطة سنّ الزّواج، كان بين أبرز خطّابها والتمس ودّها بأشدّ الحرص على طلبه؛ ورغم تفوّقه على بقيّة الخطّاب ومحاولته استمالة أبويها بالهدايا السّنيّة، تعرّض بسبب سوء سمعته لإهانة ردّه. ولمّا آلت بنت أسيادنا إلى تليبوليموس الكريم، ظلّ يغذّي بإصرار هواه المندحر وغيظه الممضّ من رفض تزويجها به، فأخذ يسعى للوصول إليها بعمل إجراميّ. أخيرا وجد فرصة أتاحت له الدّنوّ منها فبدأ يعدّ لجريمته الّتي خطّط لها طويلا. في اليوم الّذي حرّرت فيه الفتاة من سيوف اللّصوص الفتّاكة بفضل حيلة زوجها وشجاعته، اختلط بجمع المهنّئين مبالغا في إظهار بهجته. فهنّأ العروسين على السّلامة الحاضرة والذّرّيّة الآتية، واستُقبل في بيتنا بين الضّيوف المبجّلين إكراما لأسرته اللاّمعة؛ وراح يمثّل دور الصّديق المخلص مبيّتا في سرّه الغدر. وبكثرة تردّده عليهما ومشاركته إيّاهما أحاديثهما، وأحيانا طعامهما وشرابهما، توطّدت المودّة، وشيئا فشيئا أخذ ينزلق لاشعوريّا في هاوية الهوى السّحيقة. ولا غرو، فنار العشق في بدايتها خافتة تلذّ بدفئها العذب اللّطيف، حتّى إذا اضطرمت مغذّاة بوقود الألفة تحرق البشر بحرّها المستعر فلا تبقي ولا تذر.

8-3 وضع مسدود

فكّر ثراسيلوس طويلا، إذ لم يجد فرصة مواتية للاختلاء بها، ورأى الأبواب مغلّقة أكثر وأكثر دون علاقة زنا معها، وأدرك أنّه لا يستطيع فكّ قيد عاطفته الجديدة والمتزايدة بعد استحكامها منه؛ وأنّ عدم خبرة الفتاة بالخيانة الزّوجيّة، حتّى لو وافقت، وإن استحال في الحقيقة أن توافق، يعوقه. مع ذلك كان قضاء غاشم عنيد يدفعه إلى المستحيل كما لو كان يستطيعه. فما يبدو أوّل وهلة متعذّرا يبدو مع توثّق الهوى بمرّ الأيّام متيسّرا؛ لكن انظروا أرجوكم وانتبهوا جيّدا لتروا إلى أين دفعت بالشّقيّ حوافز هواه الجنونيّ.

8-4 مشهد صيد

ذات يوم أخذ تليبوليموس ثراسلّوس معه إلى الصّيد، وهو ينوي مطاردة الوحوش، إذ لا تخلو الأراوى من توحّش، وكانت خريطة لا تسمح لزوجها بصيد ذوات الأنياب أو القرون. وعند ربوة مورقة ومعتمة بظلال أغصانها المتشابكة، حُجبت الأراوى عن مرأى المطاردين، فأُطلقت كلاب الصّيد الأصيلة لمهاجمة الطّرائد الكامنة في مخابئها؛ وفي الحال توزّعت وطوّقت كلّ المنافذ ذاكرة أسلوب تدريبها الذّكيّ، محافظة على الصّمت في البداية؛ ثمّ أُطلقت فجأة إشارة فلغط كلّ شيء بجلبة نباحاتها المصطخبة الوحشيّة. لكنّ ما طلع علينا لم يكن وعلا أو أيّلا مذعورا، ولا ريما أودع من كلّ وحوش الفلا، بل خنزيرا ضخما لم يُر مثله في البلاد، شثن الجلد، قد اكتنز لحما وقد طُبّق شحما، يقفّ على جلده الخشن وبر وضر وتزبئرّ على ظهره المحقوقف سبائب كثّاء، وهو يزبد هائجا مكشّرا صارّا بأسنانه، يقدح الشّرر من عينيه المتوعّدتين، ويرعد مزمزما دافعا خطمه المرتعش من الغيظ بوحشيّة. فبادر إلى أجرئ الكلاب المتألّبة عليه وراح بفنطيسته يمزّقها ذات اليمين وذات الشّمال؛ ثمّ دحص شباكنا الّتي عاقت اندفاعته الأولى فمرق منها.

8-5 جريمة كاملة

أمّا نحن المصعوقون كلّنا من الذّعر والمعتادون على أنماط من الصّيد خالية من الخطر والعزّل إذّاك بدون ما يقينا، فلذنا بالأيك المتشابك والأشجار للاختباء فيها. هنا وجد ثراسلّوس فرصة مواتية لغدره فأهاب بمكر بتليبوليموس: "أيشدهنا الذّهول أو الذّعر الأخرق كاستخذاء هؤلاء الأرقّاء أو ننخذل في هلع النّساء مفوّتين طريدة بهذا الحجم من بين أيدينا؟ هيّا نمتط جوادينا ونسرع باللّحاق بها؛ خذ معك بهذه الحربة وسآخذ رمحا من جهتي." وبدون تردّد ولا انتظار، وثبا على جواديهما وانطلقا يلاحقان الوحش بحماس وإصرار. فنكص ليواجههما ملبّيا لديه شراسة فطريّة، ورفع نابيه وهو يتّقد غيظا ووحشيّة، ويبحث متردّدا عمّن يهاجم أوّلا. فبادر تليبوليموس برمي حربته على ظهره، لكنّ ثراسلّوس أعفى الخنزير ووكز برمحه وقطع عرقوبي جواد تليبوليموس. فهوى على قفاه مجندلا في بركة من دمه، وألقى مكرها على الأرض بصاحبه. في الحال انقضّ الخنزير في هيجان مسعور على المسكين الجاثي بالأرض فمزّق ثيابه، ثمّ إيّاه فور نهوضه شرّ ممزّق بأنيابه؛ لم يندم الصّديق الودود عن سيّء خطّته، بل لم يشف غليله حتّى أن يرى في خطر كذلك ضحيّة وحشيّته. بل وجّه إليه، وهو يتحامل مهيضا قضيضا للملمة جراحه ويستغيثه بنحو يثير الشّفقة، طعنة برمحه شكّت فخذه اليمنى واثقا أنّ جراحات السّنان ستبدو كجراح الأسنان. ثمّ بيد القدير أجهز على الخنزير.

8-6 لوعة الأرملة الشّابّة

بعد مصرع الفتى بهذا النّحو، خرجنا نحن الخدم متفجّعين من مخابئنا وهببنا إليه مسرعين. غير أنّ الغادر رغم فرحه بتحقيق منيته وتخلّصه من خصمه، أخفى بهجته وراء عبوس وجهه، وقطّب جبينه مظهرا ألما متصنّعا وانكبّ على جثمان صاحبه الّذي صنعت يده يعانقه متلوّعا، وافتعل ببراعة كلّ مظاهر الألم، عدا الدّموع فقد أبت أن تسيل. هكذا اتّخذ لبوسا موافقا لحزننا نحن المنفطرين حزنا صادقا، وما وزرت يده راح للوحش يسنده. ما كاد الجرم يتمّ حتّى ذاع الخبر وبلغ أوّل ما بلغ بيت القتيل ووقع في أذني زوجته المنكودة. فلمّا أن جاءها النّبأ الّذي لن تسمع مثله أبدا جُنّت وطار صوابها وانطلقت تجري مسعورة ككاهنات باخوس* بين ساحات المدينة وحقول الرّيف نادبة في هذيان فجيعة زوجها. فتجمّع إليها المواطنون زرافات وتبعها من لقيت على طريقها محزونين مشاطرينها شجونها؛ ما بقي أحد في المدينة لم يأت لمشاهدتها؛ وها هي تجري نحو جثمان زوجها فتنهار فوقه مغشيّا عليها، حتّى سلّمته أو كادت الرّوح الّتي نذرت له. وبمشقّة انتزعها ذوو قربتها، فأبقت كرها على حياتها؛ بينما سارت الجنازة لدفن المغتال يشيّعها كلّ الأهالي.

8-7 آلام الأرملة

كان ثراسيلوس يبالغ في البكاء ويذرف الآن، من الفرح لا شكّ، الدّموع الّتي امتنعت عليه في تمثيليّة الأسى الأولى، بل كان من غلواء مظاهر المحبّة يخدع الحقيقة حتّى، داعيا باسمه القتيل راثيا فيه صديقه ولِدته وعشيره بل أخاه، غير مهمل في نفس الوقت أن يمسك يدي خريطة عن لطم صدرها ويخفّف حزنها ويهدّئ نحيبها ويكبح بكلمات رقيقة جماح لوعتها ويواسيها بذكر شتّى الأمثلة من ضربات القدر العشوائيّة. وهو إنّما يبدي ذلك الحرص على أداء واجبات برّ متصنّع ليلامس الأرملة ويغذّي بمتعة آثمة عاطفته البغيضة المنكرة. لكن ما إن انتهت مراسيم المأتم حتّى أخذت العروس تتعجّل اللّحاق بزوجها، وتجرّب شتّى الطّرق، حتّى تلك الرّفيقة اليسيرة الغنيّة عن السّلاح والشّبيهة بهجعة النّوم. انقطعت عن الغذاء وتعهّد جسمها بضروريّات الحياة وأعرضت عن النّور معتزلة في ظلمة بيتها. لكنّ ثراسلّوس بشديد الإلحاح، بالتّدخّل شخصيّا أو من خلال بقيّة صحبها وذويها وبواسطة أبويها، انتزع منها أخيرا قسر إرادتها أن تتعهّد جسمها الموهن بل المنهار تقريبا من الإهمال بالغذاء والاغتسال. فأقبلت احتراما لمشيئة أبويها وامتثالا لواجب البرّ المقدّس وإن على مضض وبوجه خلا من البهجة لكنّ فيه شيئا من الصّفاء على شؤون الحياة كما أُمرت؛ أمّا في صميمها بين الحنايا والضّلوع فظلّت تُزهق روحها حسرة وكمدا، وتقضي أيّاما وليالي بأكملها في أسف فاجع محيطة بالتّقديس صورا للفقيد أمرت بإنجازها تمثّله في هيئة الإله ليبر* معذّبة نفسها بهذا العزاء ذاته.

8-8 رؤيا

لكنّ ثراسلّوس، المندفع بطبعه والمستمدّ من اسمه بالذّات مزيدا من الجسارة، لم يخش، قبل أن تروي الدّموع ألمها وتسكن لوعة روحها المهيضة ويخفت جزعها المفرط بمرّ الزّمن، وهي لا تزال تبكي زوجها وتمزّق ثيابها وتقطّع شعرها، أن يطلب يدها كاشفا بتهوّره وإن لم تصرّح شفتاه خبايا قلبه وغدره المخفى. فاهتزّت خريطة نفورا واشمئزازا من عرضه الدّنيء، وكما لو نزلت بها صاعقة من السّماء بل من مجنّ يوبتر* السّاحق انهار جسمها وتغشّى الضّباب نفسها. لكنّها لم تلبث أن استعادت قليلا وعيها فأطلقت زمجرات وحشيّة وهي تتبيّن أخيرا تمثيليّة ثراسلّوس البغيض لكنّها أجّلت الرّدّ على طلب خاطبها حتّى تنظر فيه. أثناء المهلة تراءى طيف تليبوليموس لوجه زوجته الصّافي في المنام مضرّجا بدمه مشوّها شاحبا وخاطبها: "أي زوجتي الحبيبة، بات من حقّك أن يدعوك بهذا النّعت غيري، إن امّحت في صدرك ذكراي أو فصم حادث موتي المروّع أواصر المودّة بيننا، فلك أن تتزوّجي من تشائين، وهنيئا لك من تختارين. حذار فقط أن تسلّمي نفسك ليد ثراسلّوس الأثيمة أو تخوضي في حديث معه أو تجلسي إلى مائدته أو تنامي في مضجعه. انأيْ عن يد قاتلي الملطّخة بدمي، وإيّاك والزّواج بقاتل من آخاه واستأمنه؛ فالجراح الّتي غسلت دماءها دموعك ليست كلّها من عمل أنياب الخنزير: رمح ثراسيلوس الماكر هي الّتي فرّقتني عنك"؛ وأضاف تفاصيل أخرى، موضّحا صورة الجريمة.

8-9 واحدة بواحدة

فظلّت، منذ أن اضطجعت محزونة كابّة وجهها إلى الفراش، وحتّى في نومها، تبلّل خدّيها بفيض دموعها. وهبّت من نومها المضطرب^ كما لو أقضّ هاجس مضجعها، فعادت إلى النّحيب شاقّة جيبها لاطمة بيدين قاسيتين زنديها الجميلين. لكنّها لم تُطلع أحدا على رؤيا تلك اللّيلة وكتمت تماما ما أُبين لها عن الجريمة، وقرّرت في سرّها الانتقام من القاتل الزّنيم والانسحاب من حياة كلّها شقاء. وما لبث طالب اللّذّة المتهوّر البغيض أن عاد يزعج بحديث الزّواج أذنيها المسدودتين عن هذا الموضوع. فردّت بلطف طلبه، وأجابت على نقيقه اللّحوح، ممثّلة دورها ببراعة عجيبة: "ما زالت طلعة أخيك وزوجي الحبيب ماثلة أمام عينيّ في حسنها الرّبّانيّ، وما زال شذا الكافور يفوح في أنفي متضوّعا من جسمه الإلهيّ، وما انفكّ يعيش في فؤادي شخص تليبوليموس البهيّ. لذا حسنا تفعل بترك الوقت اللاّزم لقلب امرأة مفجوع لإتمام حدادها المشروع، وإنهاء ما تبقّى من الحول في بضعة شهور. ذلك يصون عرضي وكذلك يراعي مصلحتك؛ فربّما أثرْنا بزواج قبل انقضاء العدّة روح زوجي واستنكارها المشروع فسعت في هلكتك."

8-10 استدراج المجرم

لم تعقِّل هذه الأقوال ثراسلّوس، ولم يكف حتّى هذا الوعد المجاري لهواه لإنعاشه، بل واصل لسانه بإلحاح حتّى التّخمة نجواه الأثيمة. إلى أن أجابته يوما، متظاهرة بالاستسلام: "لا بدّ إذن يا ثراسلّوس أن تحقّق لي هذه الرّغبة المهمّة بالنّسبة لي: أن نعقد لقاءاتنا لبعض الوقت في السّرّ مع التّكتّم التّامّ. كيلا يلحظ أحد من ذويّ شيئا إلى أن يستوفي الحول ما بقي من الأيّام." فاستسلم ثراسلّوس مغلوبا لوعد المرأة الكذوب، وسارع بالموافقة على المعاشرة السّرّيّة، وها هو يتحرّق منتظرا هبوط اللّيل وفي ركابه ستر الظّلام، مقدّما شهوته على كلّ شيء سواها. أضافت خريطة: "لكن رويدا! تعال أوّل اللّيل إلى الباب بصمت، مستخفيا بثوبك بنحو جيّد، وبدون رفقة أحد، وصفّر مرّة واحدة، وانتظر مربّيتي الّتي ستقف خلف الباب الموصد مترقّبة قدومك. ستفتح لك الباب حينئذ وتُدخلك، ثمّ تقودك إلى غرفتي بدون ضوء قد يشي بنا."

8-11 في المصيدة

راقت لثراسلّوس تمثيليّة هذا الزّواج الجنائزيّ، ولم يرْتبْ بأيّ شيء، بل بقي ينتظر مضنى معنّى من تمطّي النّهار الطّويل وتأخّر العشيّ. وما إن أفسحت الشّمس للّيل، حتّى حضر متنكّرا حسب تعليماتها وأضلّته حراسة المربّية الزّائفة فدلف إلى الغرفة يحدوه الأمل. سارعت العجوز إذّاك بأمر سيّدتها إلى خدمته بتودّد؛ وأخرجت خلسة أكوابا وقارورة تحوي مخدّرا ممزوجا بالخمر؛ فظلّ يحتسي الأكواب تباعا، بنهم وطمأنينة، وهي تكذبه الخبر عن تأخّر سيّدتها، زاعمة أنّها ذهبت لزيارة والدها المريض؛ وبسهولة لحدته في غيهب النّوم. إذّاك تركته ثاويا على ظهره معروضا لينفَّذ فيه العقاب، ودعت خريطة، فدخلت باندفاع وحشيّ مرتجفة تجيش بعزم ذكريّ؛ إذّاك وقفت على جسم القاتل وهتفت:

8-12 اللّبؤة الجريحة

"هوذا إذن صديق زوجي الصّدوق، هوذا الصّيّاد الأريب والزّوج الحبيب؛ هي ذي اليد الّتي سفحت دمي، وهوذا الصّدر الّذي حبك مكائد للإيقاع بي؛ تان هما العينان اللّتان رقتُ لشقائي لهما، ها قد بدأتا تغرقان في ظلمات كالّتي تنتظرهما وتستبقان عقابهما الّذي أتى. نم قرير العين وانعم بهنيء الأحلام؛ فما أبتغي لك السّيف والقنا الصُّمّ؛ بعيدا عنّي أن أعدلك بزوجي بإعطائك مثله ميتة مماثلة له؛ بل لتموتنّ عيناك وأنت حيّ، ولن ترى بعدُ شيئا إلاّ في الأحلام مدى عمرك؛ لأجعلنّك ترى موت خصمك أسعد من عيشك. كلاّ، لن ترى النّور، وستحتاج إلى يد مرافق يقودك؛ لن تأخذ خريطة بين ذراعيك ولن تنعم بالزّواج بها؛ لن تهنأ براحة الموت ولا بلذّة الحياة؛ لتهيمنّ شبحا منبوذا بين مملكة الموتى وعالم الضّياء ولتبحثنّ طويلا عن اليد الّتي فقأت عينيك؛ والأمرّ في شقائك أنّك لن تعرف حتّى ممّن تشكو. لأسقينّ قبر حبيبي من دم ناظريك، ولأقدّمنّ لروحه الطّاهرة تينك العينين كفّارة عن جريمتك. لكن لِم أؤخّر عقابك العادل وأدعك تربح أيّة لحظة، وتحلم ربّما بضمّات عناقي المردية؟ فلتدعْ ظلمة المنام إلى ظلمة أخرى ستلفّ ما حييتَ يقظتك عقابا لك. هيّا ارفع وجهك المطفّأ ضياؤه وتعرّف عقابك وأدرك نكبتك وعدّد أرزاءك؛ كذا راقت لزوجتك الخفِرة عيناك، وكذا أضاءت مخدعَك مشاعل الزّفاف؛ ستكون ربّات النّقمة* وصيفات عرسك وعاهتُك ووخزُ ضميرك أبد الدّهر إشبينك."

8-13 الانتقام

وقبل إنهاء وعيدها، استلّت من رأسها مشبك شعر فغرزته في حدقتيه، وتركته وقد انطفأ نور عينيه، إلى أن صحا من النّوم والسّكر معا وبه ألم يجهل مأتاه. ثمّ انتضت السّيف الّذي اعتاد تليبوليموس أن يتقلّده واندفعت تجري في جنون إلى وسط المدينة؛ قصدت مباشرة ضريح زوجها مضمرة، بلا ريب، أمرا إمرا. فخرجنا، ومعنا كلّ الشّعب، وتبعناها، كلّ يهيب بصاحبه أن ينتزع السّيف من يديها المجنونتين. لكنّ خريطة اقتربت من إران زوجها، وأبعدت بالسّيف الملتمع في يدها الجميع. ولمّا رأت دموعهم الهتن قالت: "كفاكم هذه الدّموع النّابية وهذا الأسى البعيد عن شيمي. لقد ثأرت لزوجي من قاتله وانتقمت من هادم عشّي المشؤوم وآن الأوان لأجد بحدّ هذا السّيف درب إلفي تليبوليموس."

8-14 نهاية فظيعة

ثمّ روت لهم الوقائع بالتّرتيب، ذاكرة كلّ ما أخبرها به زوجها في منامها، وكيف استدرجت القاتل إلى شرك انتقامها؛ ثمّ شكّت بالسّيف جنبها أسفل ثديها الأيمن، وهوت مضرّجة بدمها، مغمغمة بكلمات مبهمة. وما لبثت أن سلّمت روحها المتوقّدة بعزيمة رجوليّة حازمة. فغسّل ذووها جثمانها في الحين ودفنوها في قبر واحد مع زوجها رادّين إليه قرينته الأبديّة. أمّا ثراسلّوس فلمّا درى بما جرى، أيقن أنّه لن يلقى عقابا أنسب لجريمته من الّذي هو فيه، وأنّ السّيف لا يكفي جزاء فعلته النّكراء، فطلب أن يُنقل إلى ضريحهما. هناك هتف: "ها هي الضّحيّة تأتيكنّ طوعا، أيّتها الأرواح الغضابى!" ثمّ أقفل على نفسه باب الضّريح بإحكام وقرّر، بمحض إرادته، أن يُفني بالطّوى نفسه الموسومة للعذاب بحكمها هي ذاتها."

8-15 العبيد الآبقون

روى الفتى القصّة على الرّعاة، وهو يطلق في عدّة مواضع زفرات طويلة ويغالب العبرات، فتأثّروا لها كثيرا، وفي أسفهم للكارثة الّتي دمّرت بيت سيّدهم، وخوفهم من الانتقال إلى مالك جديد، قرّروا الفرار. لكنّ سائس الدّوابّ ذاك الّذي تسلّمني مع أوكد التّوصيات حمّل ظهري وظهور بقيّة الدّوابّ كلّ ما يحتفظ به من النّفائس المخبوءة في البيت، وارتحل من المحلّ القديم. كنّا نقلّ النّسوان والولدان ونقلّ الفراريج والفراخ والجراء والجديان؛ بحيث كان كلّ ما يعطّل ببطء سيره فرارهم يمشي على أرجلنا. ولم يكن وزن حمولتي، على ثقله، ليكدّني، وأنا أخلّف وراء ظهري، بفضل هذا الفرار الميمون، جزّار ذكورتي الملعون. اجتزنا قمّة جبل وعر مكسوّ بشجر، ثمّ طوينا من جديد سهولا رُحبا؛ ولمّا بدأ العِشاء يعتّم دربنا وصلنا بلدة آهلة غنيّة، منعنا سكّانها من مغادرتها ليلا وحتّى في الإبكار. فقد زعموا أنّ ذئابا عديدة فارعة القوام ضخمة الأجسام وشرسة مفرطة الوحشيّة اعتادت الخطف في كلّ البلاد وأكثرت فيها الفساد، بل غزت حتّى الطّرق وغدت تهاجم المسافرين كاللّصوص، وتدفعها شدّة الجوع أحيانا إلى مهاجمة الضّياع الواقعة على أرباض البلدة في هياج مسعور، فصارت تهدّد بويلاتها النّاس فضلا عن البهائم العجّز. وأنّ جثثا بشريّة، نُهشت أجزاء منها وجُرّدت هياكلها من اللّحم والأحشاء تنتثر ناصعة على الدّرب الّذي ينوون أن نسلكه؛ فلا بدّ والحال تلك أن نتّخذ أوكد الاحتياطات للسّير على الطّريق. ونتقيّد خاصّة بالانتظار حتّى سراة النّهار وسطوع الشّمس عاليا في كبد السّماء: إذّاك فقط يخبو، بانتشار الضّياء، هيجان تلك السّباع الضّارية، فنجتاز تلك الأهوال، لا متفرّقين شراذم، بل ملتفّين صفّا مرصوصا^.

8-16 معركة مع الذّئاب؟

لكنّ سوّاقنا الأوباش الآبقين في عجلتهم المتهوّرة غير المتبصّرة، وخوفهم من ملاحقة غير محقّقة، استهانوا بالتّحذير الأضمن لسلامتنا، فلم ينتظروا بزوغ الشّمس، بل ساقونا على الطّريق مثقَلين بأحمالنا في الهزيع الثّالث من اللّيل. فكنت، لخوفي من الأخطار المذكورة، أنحشر قدر المستطاع وسط السّرب وأتخفّى بين الدّوابّ المتصاقبة، لأقي دبري هجمات الوحوش، والجميع في أشدّ العجب منّي وهم يرونني أهملج مجلوذّا سابقا بقيّة الخيول. لكنّ سرعتي كانت أمارة خوف لا حيويّة، حتّى صرت أفكّر فيما بيني وبين نفسي أنّ الخوف هو الّذي أكسب لا شكّ بيغاسس* الشّهير قدرته العجيبة على الطّيران، وحباه بجناحين كما ينبغي لذاك الشّان، فصار يقفز في الجوّ حتّى السّماء ويرتدّ خوفا بلا شكّ من عضّ خيمارة* قاذفة النّيران. وقد تسلّح سوّاقنا الرّعاة استعدادا للمعركة، هذا برمح وذاك بحربة والآخر بسهام وبحجارة يعجّ دربنا الحصِب بها. وكان بعضهم يمتشقون قسيّا مذبّبة الطّرف، وأكثرهم يحملون مشاعل لتخويف السّباع. فلا شيء ينقصنا سوى النّفير عن كتيبة إلى الهيجا تسير؛ ومجّانا^ تعرّضنا إلى ذلك الخوف الأخرق إذ وقعنا في مصيبة أدهى. فالذّئاب، ربّما لخوفها من ضجيج شبابنا المتآزر، أو من ضوء المشاعل الباهر، أو لأنّها كانت تعيث فسادا في مكان آخر، لم تحاول قطّ مهاجمتنا، ولا لاح لائح منها حتّى من بعيد لقافلتنا.

8-17 هجمة وقائيّة

لكنّ فلاّحي ضيعة مررنا بها عرَضا حسبوا جمْعَنا لصوصا، فأخذوا، خيفة على أملاكهم وتوجّسا منّا، يحرّضون ضدّنا بصيحات التّحريش المعتادة وشتّى الهتافات كلابا ضخمة ثغِمة أضرى من الذّئاب والدّببة، ربّوها بعناية لأشغال الحراسة. فانقضّت علينا مهتاجة، من صراخهم فضلا عن شراستها الفطريّة، وطوّقتنا متوثّبة من كلّ جانب، تهلب الدّوابّ والنّاس معا دون تفريق، وتوقع بكرّاتها العديدين على الطّريق. فكنتَ ترى مشهدا حريّا بالذّكر وبالرّثاء أحرى: كلابا أبابيل هي في ضراوتها أسْد الشّرى، تنوش الفارّين وتُغير على الواقفين وتعلو الصّرعى، وتصول وتجول منشبة أنيابها على امتداد قافلتنا. وكما لو لم يكف هذا الخطر الجسيم، ها قد جاءت الطّامّة الكبرى: فمن أعلى السّقوف ومن على ربوة قريبة انهال علينا الفلاّحون رشقا بالحجارة حتّى بتنا لا ندري أيّ الشّرّين نتّقي أكثر: خطر الكلاب القريب أم خطر الحجارة البعيد^. فجأة نقرت إحداها رأس المرأة الممتطية ظهري فأخذت تبكي وتصرخ من الألم وتنادي زوجها ذلك الرّاعي مستنجدة.

8-18 ومرّت البليّة بسلام

فأخذ يصيح بأعلى صوته مستشهدا كلّ الآلهة وماسحا دم زوجته: "بأيّ حقّ تعنُفون بوحشيّة وتفتكون بأناس مساكين ومسافرين منهوكين؟ أيّ غنم تبغون؟ من أيّة إساءة تثأرون؟ لكنّكم لا تسكنون عُرُن السّباع ولا كهوف الهمج لعمري لتتلذّذوا بسفك دم البشر." ما كاد يقول ذلك حتّى كفّت شآبيب الحجارة المنهمرة، وهدأت زمرة الكلاب المستعرة بعد إيابها إلى أصحابها. أخيرا من رأس سروة خاطبنا أحد السّكّان: "لسنا نقطع طريقكم نريد سلبكم بل نصدّ من جانبكم نفس العدوان، أما وقد عرفنا قصدكم فلكم أن تواصلوا سيركم بمنتهى الأمان." فاستأنفنا طريقنا جرضى، هؤلاء يشكون جراح الحجار وأولئك هلب الكلاب والكلّ كلمى ومرضى. بعدما قطعنا شوطا من الطّريق وصلنا إلى غابة باسقة الأشجار تزدهي بتفاريجها الخضِرة النّضِرة: فاستطاب سوّاقنا التّوقّف هناك قليلا للاستراحة والاعتناء بتضميد أجسامهم الجريحة. استلقوا على الأرض ليستعيدوا أرواحهم وأسرعوا يعالجون بشتّى الأدوية جراحهم، هذا يكفكف بماء نبع يجري قريبا دمه، وذاك يضمّد بكمائد مبلّلة بالخلّ كدماته، وآخر يشدّ بأشرطة على جراحه الفاغرة ومضى كلّ يطبّب نفسه على تلك الشّاكلة.

8-19 الشّيخ الرّاعي

أثناء ذلك كان شيخ يرقب من فوق ربوة قريبة، وحواليه يرتع قطيع من الغنم والماعز ينبئ بأنّه الرّاعي؛ سأله أحدنا إن كان عنده حليب أو جبن طازج للبيع. فهزّ رأسه طويلا وقال: "ويحكم! أفي مثل هذا الوقت تفكّرون في طعام أو شراب أو استجمام؟ ألا تدرون في أيّ مكان أنتم توجدون؟" قال ذلك وهشّ على شويهاته وساقها بعيدا؛ فراع جماعتنا كلامه وفراره روعا شديدا. وبينما هم في فزعهم يتساءلون ولا مجيب عن ذاك المكان ماذا يكون، أقبل على الطّريق شيخ آخر كبير أثقلته السّنون، منحنيا على عكّازه مجرجرا قدميه وهناً وذارفا دموعا هتناً؛ فلمّا رآنا اقترب وأخذ يتوسّل باكيا بغاية التّأثّر، متمسّحا بركُب الفتية واحدا إثر الآخر:

8-20 الشّيخ الثّاني

"أناشدكم يا بَنيّ بأقداركم والجنّ الموكّلين بكم* داعيا أن تبلغوا سنّي أصحّاء سعداء، أن تعينوا شيخا خانته الأيّام وتردّوا لشيبتي صغيري من قبضة الحِمام. فإنّ حفيدي، رفيق دربي ومؤنس شيبي، خشّ العوسج قبل قليل ليمسك حسّونا سمعه يزقزق صدفة؛ فوقع في خندق قريب يمتدّ أسفل الجنبات المتشابكة، وحياته الآن في خطر. فإنّي أعلم من بكائه ونداءاته المتكرّرة إلى جدّه أنّه ما زال حيّا؛ لكنّي لوهن صحّتي، كما ترون، عاجز عن إسعافه. بينما يسهل عليكم، بفضل سنّكم وقوّتكم، أن تساعدوا شيخا ضعيفا بائسا، وتنقذوا فلذة كبدي وخلفي الأوحد، آخر حلقات سلالتي."

8-21 ما الّذي حدث؟

مضى يتوسّل باكتا شيبه، فرقّ الجميع له، ونهض من بينهم فتى أشجع من البقيّة وأصغر سنّا وأصحّ جسما هو وحده السّاعة خرج سالما من المعمعة؛ فسأله عن المكان الّذي وقع فيه ولده، وصحب لتوّه الشّيخ الّذي دلّه بإصبعه على عوسج متشابك غير بعيد. ولمّا استردّ كلٌّ قواه نحن بالمرعى وهم بالدّواء، أخذوا أمتعتهم وشُدّت لطيّات مطايا وأرحُل؛ فنادوا الفتى باسمه مرارا في البداية، ولقلقهم من طول تأخيره بعثوا أحدهم لإخباره بتأهّبهم للرّحيل والعودة به. ما لبث الرّسول أن عاد شاحبا مرتجفا يروي معجب الأخبار عن صاحبه: أنّه رآه ملقى على قفاه، وقد افتُرس معظمه، وتنّين ضخم واقف عليه يلتهمه؛ أمّا ذلك الشّيخ بادي المسكنة، فلم يبد بعد في كلّ الأمكنة. لمّا سمعوا ذلك وقارنوه بكلام الرّاعي الّذي كان يحذّرهم بلا شكّ من نفس الوحش ساكن هاتيك البراري، لا أحد سواه لاذوا سريعا بالفرار، نائين عن تلك الأشراء المشؤومة، مستحثّيننا بضربات عصيّهم المحمومة.

8-22 عقاب العبد خائن زوجته

طوينا بسرعة كبرى مسافة طويلة، ووصلنا إلى قرية استرحنا فيها كامل اللّيل؛ هنا أودّ أن أروي حادثة وقعت هناك، جديرة حقًّا بالذّكر^. كان يدير الحوزة الواسعة الّتي نزلنا فيها عبد وكّله مولاه على كلّ أملاك الأسرة؛ وقد اتّخذ له زوجة من بين العبيد رفاقه، لكنّه شغف بحبّ امرأة حرّة من خارج بيت سيّده. استبدّ الألم بالزّوجة من خيانته فأشعلت النّار في سجلاّته وكلّ ما كان يحتفظ به في المخزن. ولم تكتف بذلك الدّمار انتقاما من تدميره عشّ زوجيّتهما، بل تعدّته إلى إهلاك ذرّيّتهما: شدّت حبلا حول جسمها وربطت به ولدا صغيرا له منها، ورمت في غيابة بئر عميقة بنفسها، جارّة معها صغيرها. فتأثّر سيّدهما كثيرا بميتتها، وأمسك العبد المتسبّب بفسقه في الكارثة، فشدّ وثاقه عاريا ومطليّا بالعسل، إلى شجرة تين يزخر جذعها النّخر بنخاريب نمل لا تنفكّ طوابيره عن الدّبيب بالدّاخل والخارج. فما إن شممن رائحة العسل اللّذيذة المنبعثة من جسمه حتّى تجمّعن عليه، وما فتئن ينشنه بقرصاتهنّ الدّقيقة لا محالة لكن العديدة في نفس الوقت والمستمرّة، حتّى أتين بعد هذا العذاب الممضّ على الرّجل، مستنفدات لحمه وأحشاءه، ومعرّيات عظامه الّتي بقيت وحدها مجرّدة من اللّباب تتألّق ببياضها النّاصع مشدودة إلى الشّجرة المشؤومة.

8-23 لوقيوس في السّوق مرّة أخرى

تخلّينا أيضا عن هذا المقام الملعون، تاركين الفلاّحين نهب الشّجون، وتابعنا السّير طاوين الدّروب طوال يوم بالكمال، حتّى وصلنا منهكين إلى مدينة آهلة ذات بال. هناك طاب حطّ الرّحال والإقامة لأولئك الرّعاة، إذ بدت لهم مخبأ آمنا بمنجى من التّتبّعات، وتدعو إلى العيش بها لما اشتهرت به من وفرة الخيرات. بعدما أراحوا أجسام الدّوابّ ثلاثة أيّام لنبدو أصلح للبيع، قادونا إلى السّوق وأعلن الدّلاّل بصوته الجهوريّ عن سعر كلّ منّا. فبيعت الخيل وبقيّة الحمير لشراة أثرياء، وأُفردت مذؤوما يمرّ كثيرون عليّ معرضين في ازدراء. وقد ضقت بتلمّسهم المقيت لتقدير سنّي من أسناني، وسئت بيد أحدهم الممرّتة بالرّوث بعدما ظلّت تقشط نواجذي وتعيد بأصابعه النّتان، فعضضتها ملء فمي وكدت أسحقها. رغّب الحادث المحيطين بي عن ابتياعي، باعتباري دابّة شرسة الطّباع؛ فأخذ الدّلاّل بعدما أصيبت حنجرته بالبحاح، يتندّر بصوت أجشّ على حسابي بفكه المزاح: "إلام نعرض سدى للبيع هذا البرذون الخصيّ، منحتّ الحوافر العاجز الدُّهريّ، المشوّه من الأسقام والوحشيَّ مع كسل وبلادة، فما يساوي لعمري أكثر من منفضة حجارة^؟ ألا وإنّي لمعطيه لأيّ يرغب فيه، إن لم يحزّ طبعا على شغافه إتلاف أعلافه!"

8-24 شارٍ لا يجود الدّهر بمثله

مضى الدّلاّل بهذا الشّكل يثير ضحك الحضور من حولي؛ لكنّ حظّي القاسي الّذي لم أستطع فراره بعد الفرار منه^ في كلّ المنطقة، ولا إرضاءه بكلّ نكباتي السّابقة، أدار لي عينيه المطفّأتين من جديد، فدهاني بشارٍ عثر عليه بنحو عجيب، هو أنسب شخص لوضعي العصيب. اعلموا من هو: مخنّث، ومخنّث عجوز، وفوق ذلك أقرع، لكن مع بضع خصل متدلّية وخطها الشّيب^، واحدا من ثفالة النّاس، أولئك الشّحّاذين الّذين يطوّفون عبر المدن والميادين الإلهة السّوريّة* قارعين على الصّنوج والشّقشاقات لحملها على التّسوّل^. سأل الدّلاّلَ عن أصلي مبديا حرصا على شرائي؛ فأجاب أنّي من كبادوقية* ومتين البناء؛ إذّاك سأله عن عمري، فردّ الدّلاّل متظارفا بكثير من المكر: "قدّر له المنجّم الّذي حدّد برجه خمس سنين لعمري، لكنّ المعنيّ نفسه أدرى بالأمر، لعلمه بالتّقييد في سجلاّت المواليد. ومع علمي بأنّي أقع تحت طائلة قانون كرنليوس* لو بعتك مواطنا رومانيّا على أنّه من العبيد، أقول: اقتن هذا العبد الصّالح استثمارا طيّب المردود، سيخدمك في البيت وخارجه بالتّأكيد." لكنّ الشّاري المقيت استمرّ في السّؤال بعد إيضاحه عن كلّ أحوالي، أخيرا سأل متوجّسا عن طبعي إن كنت سلسا.

8-25 بين الشّاري والدّلاّل

فأجاب البائع: "حَملاً ترى أمامك لا حمارا، وديعا في كلّ الأعمال، لا يعرف العضّ ولا الرّمح، حتّى لتحسبنّ لعمري إنسانا عاقلا تقمّص جلد العيْر. وما أيسر أن تتأكّد بنفسك من الأمر: أولجْ رأسك بين فخذيه تختبرْ بسهولة مدى صبره وسعة صدره." واصل الدّلاّل بهذا النّحو ممازحته مدركا لهفته. لكنّ صاحبنا فهم سخريته فقال متظاهرا بالسّخط: "تبّا لك يا دلاّل الشّؤم واللّؤم، أيّها الأحمق الأصمّ الأبكم، أعمتك الإلهة السّوريّة* الجبّارة أصل كلّ الكون، وسبازيوس* القدّوس، وبِلّونة * وأمّ الآلهة^ الإيديّة* مع قرينها أتّيس*، وفينوس* مع حبيبها أدونيس*! منذ ساعة وأنت تستنوكني بتهريجك السّمج وفكاهاتك السّخيفة على حسابي. أتظنّ يا غبيّ أنّي أستودع ربّتي دابّة شموسا، لتقلقل وتلقي بغتة تمثالها القدّوس، فأضطرّ أنا منكودة الحظّ للجري محلولة الشّعر بحثا عمّن يصلح إلهتي الثّاوية بالأرض؟" عنّ لي إذ سمعت ذلك^ أن أنطلق راكضا كالمهووس ليعزف عن شرائي إذ يراني في قمّة الشّموس. لكنّ الشّاري لما به من اللّهفة حال دون تنفيذ فكرتي، إذ دفع الثّمن لصاحبي حالا، سبعة عشر دينارا، قبضها مسرورا بيسر قرفا منّي بالتّأكيد، وشدّني فورا بنِسْع وسلّمني لفيلبوس* مالكي الجديد.

8-26 اشتراكيّة الهنك والرّنك

استلم هذا عبده الجديد وانطلق يجرّه إلى البيت؛ وهناك هتف من أوّل العتبة: "ها قد جلبنا يا بنات خادما لكنّ اشتريناه، انظرن ما أحيلاه!" كانت البنات المعنيّات في الحقيقة فرقة من المخنّثين، رفعوا فورا أصواتا خنثة متغنّجة، في لغط وهم يستطيرون بهجة، وقد دار لا شكّ بخاطرهم أنّ فتى لطيفا أُحضر حقّا لخدمتهم. فلمّا رأوا أنّ الأمر لا يتعلّق بمهاة أتت نيابة عن فتاة^، بل بحمار أتى بدل الإنسان، عبسوا وألقوا بسيل من النّكات على القهرمان، إذ جلب على حدّ قولهم بعلا له بالتّحقيق لا خادما لهم. وأضافوا: "مهلا، إيّاك أن تستأثري بهذا الغندور المشيق وتستنفديه بل دعي أحيانا لصويحباتك نصيبا فيه." ومضوا في تبادل مثل هذه التّرّهات، ثمّ أدنوني فربطوني إلى معلف؛ وكان يوجد معهم شابّ قويّ البنية ماهر في العزف اقتنوه من المال المشترك المحصّل من مائدة التّبرّعات، كان يحمل الإلهة يجوب بها السّاحات، نافخا في بوقه، وفي البيت يشاركهم أعمالهم ويشتغل خدنا بالشّراكة لهم. فلمّا رآني في البيت، قدّم لي العلف بسخاء وسرور وقال بحبور: "ها أنت أخيرا أتيتَ لتنوب عنّي في عملي التّعيس المضني؛ فدمتَ لأصحابك ورقتَ، وأرحتَ حقويّ المنهكين!" فأخذت أفكّر، وأنا أسمع كلامه في المحن الجديدة الّتي ينتظرني.

8-27 الدّراويش المخنّثون

من الغد خرجوا وقد ارتدوا قمصانا مبرقشة ولطّخوا وجوههم بطلاءات طينيّة، وزوّقوا عيونهم بالأصباغ، ووضعوا عُجُرا ومروطا وتنانير من الحرير. ولبس بعضهم جلابيب بيضاء زُيّنت على مستوى الخاصرتين بهُدب حمراء متدلدلة على الجانبين، وانتطقوا عليها بزنانير، وانتعلوا أحذية صفراء جاديّة. ثمّ أركبوا على ظهري الإلهة ملحّفة بوشاح من حرير لأحملها، وشمّروا عن زنودهم إلى الأكتاف، وامتشقوا سيوفا كبيرة وبلطات ووثبوا في شطح جنونيّ على إيقاع المزمار. بعدما مرّوا بعدّة دُويرات، وصلوا ضيعة أحد الأثرياء، فحالما وطئوا المدخل رفعوا عقيرتهم صاخبين في هوس مسعور. ظلّوا ردحا يقعّسون رؤوسهم ويلوون رقابهم بحركات سريعة متواترة ويديرون شعورهم المتهدّلة، ويهوون أحيانا على العضلات عضّا، ويشرطون أخيرا زنودهم بسيوفهم ذات الشّفرتين. وسط تلك الغوغاء، بلغ أحدهم ذروة الجذب، فأخذ يصعّد من أعماق صدره أنفاسا متلاحقة، متظاهرا بالدّخول في حالة من الهوس الإلهيّ، والتّشرّب ملء ذاته بالحضرة الرّبّانيّة، كما لو كانت ميزة الحضرة الإلهيّة جلب السّقم والخبل للورى لا جعلهم أفضل وأرقى^.

8-28 نوبة من الجذب الصّوفيّ

فانظر أيّ جزاء نال من عناية السّماء: في نوبة الوحي الصّاخبة، افترى كذبا وأخذ يقرّع ويتّهم نفسه بارتكاب الرّجس ضدّ الدّين القدس، ويطلب كذلك العقاب العادل لذاته بيديه جزاء فعلاته. ثمّ أمسك أداة خاصّة بأولئك الشّواذّ، سوطا قُدّ من عدّة أشرطة من جلد لم يجزّ صوفه سُحلت ولُفّت على عدد من عظام الغنم، فأخذ يلطع جلده مرارا بعفقاته العنقوديّة، وقد اكتسب من اللّذّة المرتجاة حصانة عجيبة ضدّ ألم الضّربات. حتّى صرتَ ترى الأرض، من فصد السّيوف وجلد السّياط، مضمَّخة بدمهم الخنث الخبيث. فوقع في روعي وأنا أرى الدّم ينزف بغزارة من جراحهم هاجس ناغز: ماذا لو اشتهى بطن الإلهة الأجنبيّة دم حمار مثلما يشتهي بعض النّاس حليب أتان؟ أخيرا توقّف الجماعة عن المجزرة، تعبين وكذلك بلا شكّ شباعا من تمزيق أنفسهم، وجمعوا في كيس مفتوح نثار الدّوانيق وحتّى الدّراهم الّتي تبارى عديد من المتفرّجين في التّبرّع بها، وأُعطوا كذلك دنّا من الخمر وحليبا وأجبانا وشيئا من الدّقيق والحنطة، وقدّم البعض شعيرا لمطيّة الرّبّة. سحبوا بلهفة كلّ العطايا وحشوها في أكياس أعدّوها لعائداتهم وفق أصول المهنة، وحمّلوها على ظهري. فسرت مثقلا بحملي المزدوج، كمخزن أطعمة ومعبد في آن واحد.

8-29 فضح الدّجّالين المنحرفين

هكذا مضوا ينهبون المنطقة بأسرها؛ وفي إحدى القرى قرّروا، فرحين بالعائد الأوفى ممّا قدّروا، أن يقيموا مأدبة، تبريكا وتهنئة. فاختلقوا نبوءة كاذبة، وطلبوا من أحد الفلاّحين كبشا سمينا يقدَّم للإلهة السّوريّة* الجوعى قربانا تبات به شبعى؛ وبعد إعداد الوليمة بالتّمام، توجّهوا إلى الحمّام. وما لبثوا أن عادوا منه مصطحبين قرويّا متينا خدلّجا على أتمّ الاستعداد لشغل الحقوين وأسفل البطن، ليشاركهم طعامهم. وبعدما تناولوا شيئا من الخضر ذواقا، استولت عليهم أمام السّفرة رغبتهم الدّاعرة في أحطّ ممارسات الشّبق الحرام، فتحلّقوا وأخذوا يستثيرون بأفواههم الرّجسة الشّابّ العاري المستلقي وسطهم على ظهره. لم تطق عيناي رؤية تلك الفعال المنكرة طويلا، فانبريت مستصرخا: "وامواطنيّ!" فخرج واو مجرّد من بقيّة المقاطع والحروف، واضح حقّا وجهير، ومن الطّراز الذي يختصّ به الحمير، إلاّ أنّه أتى في وقت غير مناسب لا محالة. إذ هبّ من الكفر المجاور جمع من الشّبّان كانوا بالتّحديد يفتّشون عن حمار لهم سُرق في اللّيل، قالبين الأرض بحثا عنه في كلّ وجر، فحسبوا لدى سماع نهيقي أنّي ضالّتهم مخفاة بمخبئ في تلك الدّار، فاقتحموها متزاحمين بغتة لاسترداد متاعهم على رؤوس الأشهاد؛ وفاجؤوهم متلبّسين بممارسة فواحشهم المقيتة؛ فدعوا على الفور الجيران من كلّ مكان وكشفوا لهم مشهد ذلك الفجور، مثنين بسخرية على تبتّل الكهنة الحصور.

8-30 حِلم اضطراريّ

هالت الجماعةَ الفضيحة الّتي سرعان ما انتشرت بألسنة الجمهور، فجعلتهم كما يستحقّون لدى الجميع مثار البغض والنّفور؛ لذا لمّوا أمتعتهم وغادروا القرية حوالي منتصف اللّيل بغتة. قبل مطلع الشّمس كانوا قد قطعوا مسافة جيّدة؛ ومع الضّحى بلغوا مفازة منعزلة، وبعدما تشاوروا طويلا حولي، استقرّ رأيهم على قتلي. فأنزلوا الإلهة عن ظهري وطرحوها أرضا، ثمّ من كلّ عدّتي جرّدوني، وإلى سنديانة ربطوني، وانهالوا عليّ بسوطهم المزرود بالعظام حتّى أوشكوا أن يقتلوني. توعّد أحدهم بعقري ببلطته لنجاحي لا شكّ في تشويه صفحة عِرضه النّاصعة وسمعته؛ لكنّ الآخرين آثروا الاحتفاظ بي حيّا، لا حرصا على حياتي، بل اعتبارا للتّمثال الثّاوي على الأرض. ثمّ عادوا يحبّقون عليّ الأحمال وساقوني متوعّدين بسيوفهم، حتّى وصلوا مدينة ذات شأن. هناك هبّ، عند سماع قرع الصّنوج ونقر الدّفوف وأنغام الموسيقى الفريجيّة* العذبة، رجل ديّن من سَراة القوم دأب على تكريم الآلهة، وخفّ للقائنا راغبا في استقبال الرّبّة عنده؛ فاستضافنا كلّنا داخل بيته الواسع متزلّفا للإلهة بالصّلوات والذّبائح.

8-31 الظّبي والكلب والحمار

أذكر أنّي تعرّضت هناك إلى خطر مُرد جسيم: فقد أرسل لمضيّفنا فلاّح من تابعيه هديّةً حصّة من صيده، فخذ ظبي ودك، علّقه الطّبّاخ بدون احتراس قرب باب المطبخ، على ارتفاع بسيط؛ فوثب عليه واحد من كلاب الصّيد وانتشله وفي لمح البصر أفلت فرحا بغنيمته بعيدا عن أعين الحرّاس. لمّا علم الطّبّاخ بضياعه، أنحى على نفسه باللاّئمة بسبب إهماله، واستغرق في التّحسّر والبكاء بلا جدوى؛ ولمّا بدأ سيّده يطلب طعامه، جزع وخشي غضبه، فقبّل ولده الصّغير مودّعا، وأخذ حبلا ليشنق نفسه. لكنّ الخطب لم يخْف على زوجته الوفيّة؛ فهجمت بكلتا يديهاعلى الخرتة المردية، وقالت: "ويحك! أيُطيش صوابَك الجزعُ من مصابك فلا تنتبهَ إلى الحلّ الّذي وضعته عناية الآلهة أمامك؟ إن تثبْ من يأسك بسبب كبوة حظّك، فاصحُ لنفسك وأصغ إليّ: خذ هذا الحمار الغريب إلى مكان ناء فاذبحه واقتطع منه فخذا كالّتي أضعتها، واطهها جيّدا في المروق المتبّلة الشّهيّة، وقدّمها لسيّدنا بدل فخذ الظّبي."^ راقت للّئيم فكرة افتداء حياته بموتي وأثنى كثيرا على حكمة رفيقته وأخذ يشحذ سكاكينه للمجزرة.