أبوليوس

 

الحمار الذّهبيّ

 

الكتاب السّابع

 

حواش

11

10

9

8

7

6

5

4

3

2

1

مقدّمة

 

7- الكتاب السّابع

7-1 تقرير صحفيّ مثير

ما إن طلع النّهار مبدّدا ظلمة اللّيل وأضاءت مركبة الشّمس السّاطعة كلّ شيء حتّى أتى بغتة واحد من عصابة اللّصوص: ذاك فعلا ما يدلّ عليه تبادل مجاملات السّلام بينهم. جلس القادم في مدخل الكهف لاهثا، وبعدما التقط أنفاسه، أبلغ المجموعة هذا التّقرير. "بخصوص بيت ميلون الهيباتيّ* الّذي نهبناه مؤخّرا يمكننا الآن الاطمئنان، ولا داعي للخوف بعد. فإثر عودتكم إلى معسكرنا بعد أخذ كلّ ما فيه بفضل بأسكم الشّجاع، اختلطتُ بمجموعات السّكّان المتجمهرين. ورحت أستخبر متظاهرا بالرّثاء والاستنكار عن القرار الّذي اتّخذ بشأن التّحقيق حول الحادث، وإن كان هناك اتّجاه، وإلى أيّ مدى، نحو تتبّع اللّصوص، وهأنذا جئت أخبركم بكلّ التّفاصيل كما طلبتم. باتّفاق الجميع، لا بناء على قرائن ظنّيّة بل على مبرّرات راجحة، يُشتبه في شخص يدعى لوقيوس، كمرتكب الجريمة البيّن، فقد تمكّن قبل أيّام برسالة توصية مزيّفة إلى ميلون وبالظّهور عنده بمظهر الرّجل الفاضل من استمالته وتوثيق صلته به إلى حدّ استضافته، واعتباره من الخلصاء والمقرّبين؛ فلبث هناك عدّة أيّام وبحبّ متصنّع خلب لبّ خادمة ميلون، وتفحّص بدقّة أقفال الباب، وتجسّس بعناية على الأماكن الّتي اعتاد مضيّفه إخفاء أمواله فيها.

7-2 قرائن مورّطة

ويظهرون دليلا قويّا يدينه أنّه فرّ في نفس ليلة وساعة الجريمة تحديدا ولم يظهر مذّاك في أيّ مكان، وكان قد يسّر لنفسه وسيلة للفرار والابتعاد سريعا عن مطارديه باطّراد، إذ جلب معه حصانه الأبيض لامتطائه. وقد وجدوا خادمه الّذي كان معه في بيت مضيّفه، وأمر القضاة بحبسه ليعطي معلومات على جرائم وخطط سيّده؛ ومن الغد استُجوب تحت التّعذيب وشتّى الأنكال حتّى كاد يموت مقطّع الأوصال. لكنّه لم يبح بشيء؛ مع ذلك بعثوا رسلا إلى بلاد لوقيوس ذاك للبحث عن المتّهم قصد معاقبة الجرم." كنت وهو يروي ذلك أتألّم في داخلي مقارنا النّعيم السّابق ولوقيوس الأمس السّعيد بالشّقاء الرّاهن وحمار اليوم التّعيس، ويجول بخاطري أنّ حكماء الماضي ما اعتبطوا لمّا تمثّلوا وتصوّروا ربّة الحظّ عمياء بل بلا عينين تماما. هي الّتي توزّع دوما خيراتها على الأشرار ومن لا يستحقّونها ولا تصطفي بأدنى تبصّر أيّا من النّاس بل تصاحب تحديدا من لو أوتيت بصرا لكان عليها أن تفرّ منهم بعيدا. والأدهى من كلّ ذلك أنّها خصّتنا بسمعات غير مطابقة بل مضادّة تماما للحقيقة، إلى درجة أنّ الشّرّير يفخر بسمعة الخيّرين بينما يعاقَب البريء على فعال المجرمين.

7-3 مرافعة رائعة

وأنا الّذي جعل منّي خبطها الوحشيّ بهيمة ومن أدنى فئات ذوات الأربع، وتبدو حالي بحقّ، حتّى لأقسى النّاس جديرة بالرّأفة والرّثاء، يُشتبه فيّ بجريمة سرقة ضحيّتها مضيّفي العزيز عليّ. وهي جريمة يدعوها أيّ من البشر لا سرقة فقط بل بتعبير أصحّ إحدى الكبر، ثمّ لم يكن بوسعي الدّفاع عن نفسي ولا حتّى إنكار التّهمة بكلمة واحدة. وكيلا يبدو سكوتي، وأنا أتّهم حضوريّا بتلك الجريمة النّكراء، علامة على الرّضا واعترافا ضمنيّا بالذّنب، عزمت بعدما ضقت ذرعا بتلك التّخرّصات على أن أقول: "ما فعلتُ". وبالفعل جلجلت باللّفظة الأولى أكثر من مرّة وبنحو ناب لكن تلجلجت بالتّالية ولم أستطع إلى نطقها سبيلا بل بقيت في المقطع الأوّل وشحجت عدّة ماءات جهار رغم مدّ مشفريّ المتهدّلين وترعيشهما وتدويرهما. لكن لِم إطالة شكواي من رعونة الحظّ وهو لم يتورّع عن جعلي لخادمي ومطيّتي، حصاني ذاك، قرينا ورفيقا في العبوديّة؟

7-4 تحوّل تكتيكيّ

كان يراودني، وأنا نهب هذه الخواطر، هاجس آخر أقوى، إذ لم أنس عزم اللّصوص على نحري وجعلي لروح الفتاة مثوى، فأراني وأنا مرّة تلو أخرى، أرنو إلى بطني بنظراتي الحزينة، بتّ حاملا بالفتاة المسكينة. لكنّ اللّصّ الّذي كان ينقل السّاعة عليّ تلك الإشاعات الكاذبة ما لبث أن أخرج ألف مثقال* من طيّ ردائه، ذكر أنّه استولى عليها من شتّى المسافرين وهو لأمانته يحيلها إلى خزينتهم المشتركة، ثمّ أخذ يسأل ببالغ الاهتمام عن سلامة رفاقه. بعدما أخبروه بأنّ بعضهم بل خيارهم لقوا حتفهم بطرق شتّى لكن ببسالة الأبطال في كلّ الأحوال، أشار عليهم بأن يدَعوا الأمن يستتبّ على الطّرق لمدّة معيّنة، ويتوقّفوا عن كلّ المعارك ملتزمين بهدنة، يستغلّونها للبحث عن أقران ويعيدوا تنظيم صفوف كتيبتهم لتستردّ سالف عددها بمجنّدين جدد شبّان. يمكنهم في سبيل ذلك إجبار الكارهين بالتّرهيب وحفز المشتهين بالتّرغيب بمكافأة مغرية، وما بقلّة من سيؤثرون التّخلّي عن حياتهم الوضيعة الذّليلة والانضمام إلى فريقهم، مثال السّؤدد والبطولة. وهو من جهته لقي مؤخّرا فتى في ريعان الشّباب فارع القوام عريض البنية فاره اليد ظلّ ينصحه حتّى أقنعه في النّهاية باستخدام قواه الّتي بلّدها طول الجمام في عمل مثمر أفضل والاستفادة من نعمة صحّته الجيّدة ما دام يسعه أن يفعل، والامتناع عن مدّ يده الصّحيحة لاستجداء الدّوانيق، واستعمالها بالأحرى في لمّ الذّهب بالصّناديق.

7-5 لصّ محنّك

صادق الجميع على أقواله وقرّروا قبول المرشّح الّذي بدا مرضيا من وصف صاحبهم، والبحث عن آخرين لاستكمال عددهم. فانطلق وعاد بعد برهة يصطحب شابّا قويّ البنية كما وعد، لا أدري بمن من الحضور يمكن مقارنته، إذ يفوقهم كلّهم قامة بمقدار رأس، وقد بدأ زغب غضّ يطرّ سارحا على عذاريه. كان نصف مكسوّ ببساطة بخِلق متباينة لُفّقت بنحو سيّء يلتمع من خلالها صدره وبطنه بارزين من البدانة. دخل في هذه الهيئة وقال: "حيّيتم، موالي الإله الباسل مارس*، ورفاقي المخلصين منذ هذه اللّحظة؛ فاقبلوا بينكم راضين من أتاكم راضيا يزخر همّة وحيويّة، يفضّل تقبّل الجراح بجسمه على تلقّي^ الذّهب بيده، ويجعله الموت الّذي يرهبه الآخرون أكثر حماسا. لا تحسبوني معوزا أو خسيسا ولا تحكموا على شيمي من هذه الأطمار؛ فلقد قدت فيما مضى كتيبة شديدة البأس ونشرت الدّمار في مقدونية بأسرها. أنا اللّصّ الشّهير هيموس التّراكيّ* الّذي ترتجف لاسمه الأقاليم من الذّعر، ابن اللّصّ المشهور مثله ثيرون* الّذي غذّاني بالدّم البشريّ في الصّغر، وربّاني بين فصائل سريّته، نعم أنا نجله وريثُ وقِرْنُ شجاعته.

7-6 امرأة كألف

لكنّي فقدت كلّ ذلك العدد العديد من الرّفاق الصّناديد، وكلّ ذلك المال الممدود، في زمن جدّ محدود؛ فقد هاجمتُ وكيلا أميريّا كان يتقاضى مائتي ألف درهم قبل إقالته وفقدان حظوته عندما مرّ، مثيرا على نفسي سخط يوبتر*؛ لكن سأروي الوقائع بالتّرتيب لتعلموها. كان ببلاط قيصر رجل معروف بعديد الخدمات يحظى باعتبار خاصّ لدى الامبراطور بالذّات. فأخرجه حسد حاقد من نعمته إلى المنفى بوشاية بعض العدا؛ لكنّ زوجته، وهي امرأة تدعى أفلوطينة* نادرة المثال في العفّة والوفاء شادت لزوجها أسرة قوامها عشرة من الأبناء، صاحبته إلى المنفى لتشاركه في الضّرّاء، معرِضة عن حياة المدينة المرفّهة وملاذّها ومستخفّة بها. قصّت شعرها وتنكّرت في زيّ الرّجال ودسّت في زنّارها ثرواتها من المسكوكات الذّهبيّة وأنفس مجوهراتها، ودخلت في صفوف الكتيبة المرافقة ذاتها، مشاركة بإقدام في كلّ الأخطار، ساهرة على سلامته باستمرار، مجابهة الويلات المتواصلة بعزم الرّجال. بعد مكابدة العديد من مشاقّ البرّ وأهوال البحر، بدأت تتوجّه نحو جزيرة زاكنتوس* الّتي قضى القدر المحتوم بأن تكون مقام زوجها المؤقّتَ.

7-7 نهاية عصابة هيموس

رست سفينتهم على ساحل أكتيوم* حيث كنّا نعمل إذّاك بعدما بارحنا مقدونية، فنزلوا وقد جنّ اللّيل بحانة تقع قريبا من الشّاطئ والسّفينة للنّوم وتجنّب اللّجّة؛ فهجمنا عليهم وسلبنا كلّ ما لديهم؛ وانصرفنا لكن مواجهين خطرا غير مهين. إذ لم تكد تلك المرأة تسمع قرقعة الباب حتّى هرعت إلى وسط الغرفة قالبة بصراخها الدّار على ساكنيها، مستغيثة بالجنود وتابعيها كلّ باسمه بل وبالسّكّان المجاورين؛ ولولا ذعر الجميع الّذين لبدوا خائفين، كلّ على نفسه، لما تمّ لنا أن ننسحب سالمين. إلاّ أنّ تلك المرأة الفضلى، والحقّ لا بدّ أن يقال، نادرة المثال في وفائها والمحمودة بكريم فعالها وجّهت التماسا إلى قداسة قيصر المبجّل، وحصلت منه على أن يعود زوجها في القريب العاجل، ويُثأر لها من اعتدائنا بالكامل. هكذا شاء قيصر أن تزول عصابة اللّصّ هيموس، فزالت في الحال؛ أجلْ، على مثل ذلك تقدر إشارة من أمير بذلك الجلال؛ فعلاً سحق فيلق من خيرة المحاربين فرقتنا وتعقّب فلولها وأبادها وانسللت وحدي بأجهد الجهد ناجيا بهذا النّحو من بلعوم أركوس* المردي.

7-8 نجاة بأعجوبة

التفعت برداء نسائيّ ذي ألوان زاهية وجيوب كثيرة واسعة، وغطّيت رأسي بخمار من القماش، وانتعلت حذاء نسائيّا أبيض رقيقا، وركبت متخفّيا بهذا النّحو في زيّ الجنس الأدنى على حمار يحمل حزمة من سنابل الشّعير؛ وعبرت وسط صفوف الجند المتنمّرين الّذين أفسحوا لي، ظنّا أنّي امرأة حمّار، كلّ المعابر، فقد كان خدّاي الأمردان يومئذ يتألّقان بسنا الصّبى النّاضر. بيد أنّي لم أحد عن مجد والدي ولا صيتي الشّخصيّ: سرت متوجّسا في خفارة زيّي التّنكّريّ، محاذيا سيوف الجند المصْلَتة ومع ذلك غشيت بمفردي عددا من الضّياع والقرى فتزوّدت منها بما تيسّر"؛ وفتح أسماله في الحال، ناثرا ألفي مثقال. وقال: "بطيب خاطر أقدّم للفرقة هذه الهديّة أو المهر بالأحرى عربون حبّي، ونفسي، إن لم يكن لديكم اعتراض، قائدا جديرا بثقتكم، وإنّي لجاعل بيتكم الحجريّ هذا، في أقصر الآجال، من الذّهب.

7-9 عقاب أنسب لمحاولة الفرار

أسرع اللصوص بدون تردّد يولّونه أمرهم بالإجماع؛ وقدّموا له لباسا أليق ارتداه بأبّهة بعد خلع أطماره؛ بعد هذا التّحوّل عانق رفاقه فردا فردا، ونُصّب على أعلى متّكئ وأقيمت احتفالا بتأميره مأدبة صحبتها أقداح دهاق. علم من أحاديثهم بخبر فرار الفتاة على ظهري والميتة الفظيعة الّتي أعتدوها لنا؛ فسأل عن مكانها واقتيد إليه؛ رآها مكبّلة بالقيود فانصرف مقبّضا عرنونه بامتعاض وقال: "ما أنا بأهوج أو سفيه لأنقضَ ما قرّرتم، لكنّي سأعاني من توبيخ ضميري إن أخفيت ما يبدو لي الصّواب عنكم. لكن امنحوني أوّلا ثقتكم بحرصي على مصلحتكم، ثمّ إنّ باستطاعتكم، إن لم ترق لكم أفكاري، أن تعودوا إلى الحمار. أرى شخصيّا ألاّ يقدّم لصوص عقلاء مثلكم على منفعتهم أيّ اعتبار، حتّى الثّأر الّذي طالما عاد على صاحبه بالضّرّ: إن أهلكتم فتاتكم داخل الحمار لن تزيدوا عن التّنفيس عن نقمتكم دون فائدة لكم. والرّأي عندي أن تأخذوها إلى المدينة وتبيعوها، فبسعر مغر تباع فتاة مثلها في ريّق العمر. وأنا شخصيّا أعرف منذ فترة بعض تجّار الجواري يمكن لأحدهم في اعتقادي أن يقني تلك الفتاة بثمن عال لا شكّ وكما تستحقّ فيسوقها بغيّا لبني بلده^؛ فلن تفرّ ركضا في البراري مرّة أخرى، ثمّ إنّها ستُمتهن في المبغى فتدفع لكم ثأركم كاملا؛ ها أنا أسديت النّصح لكم، وأنتم أولياء أمركم والقرار عائد إلى نظركم."

7-10 حكم الحمار على جنس النّساء

هكذا رافع عنّا وكيل الخزينة العامّة لجمعيّة اللّصوص، منقذ الفتاة والحمار الشّهم. لكنّ الآخرين أطالوا التّداول، فكان قلبي في انتظار قرارهم يتقلّى على الجمر، بل بلغت الرّوح التّراقي؛ أخيرا تبنّوا رأي اللّصّ الجديد، وخلّصوا الفتاة حالا من القيود. فلمّا رأت ذلك الفتى وسمعت ما ذكر عن تاجر الجواري والمبغى اهتزّت فرحا وانفجر ضحكها فداخلتني نقمة مشروعة على كلّ بنات جنسها، وأنا أرى تلك الفتاة الّتي كانت السّاعة تتظاهر بحبّ خطيبها الفتى والرّغبة في عفّة الزّواج الطّهور تبتهج لذكر الماخور والنّجاسة والفجور. كانت إذّاك ملّة النّساء بأسرها وأخلاقهنّ معلّقة بحكم حمار؛ بيد أنّ ذلك الفتى استأنف حديثه: "مادمنا عازمين على بيع الفتاة والبحث في نفس الوقت عن رفاق جدد فلِم لا نبادر بتوجيه ابتهالات إلى الإله مارس* وليّنا؟ لكن ليس عندنا، كما أرى، للتّضحية نَعَم ولا للشّرب خمر وافرة أو حتّى وافية. فابعثوا معي بعشرة منكم، يكفوني لأغير على أقرب حصن، فأجلب لكم منه ما يفي بإقامة وليمة ساليّة*!" وانطلق في نفر منهم، بينما أوقد الباقون النّار وأقاموا للإله مارس* مذبحا من عشب أخضر.

7-11 ومن خبر الغواني فالغواني ضياء في غياهبه ظلام

سرعان ما عاد الأوائل يحملون زقاق الخمر ويلفّون النّعم قطعانا؛ فاختاروا منها تيسا بالغا ودكا كثّ العثنون ليقدّموه لمارس* الصّديق والرّفيق قربانا، وأعدّوا فورا غداء مفتخرا. انبرى إذّاك مولم الوليمة: "أرجو أن تجدوا فيّ قائدا مقتدرا لا فقط لغاراتكم وغزواتكم، بل كذلك لأنسكم ولذّاتكم"؛ وراح يعدّ المأدبة بخفّة ويد فرهة. فكنس، ورتّب الخوان، وطها وحضّر أطباق اللّحم وصفّفها بفنّ، لكن طفق بالأخصّ يسقيهم فردا فردا أقداحا كبرى من الخمر تترى؛ بيد أنّه كان أثناء ذلك يتردّد، متظاهرا بالذّهاب لإحضار ما تقتضيه الحاجة، على الفتاة فيقدّم لها ببشاشة حصصا من الطّعام سحبها خلسة من المأدبة وأكوابا من الشّراب مزّ منها قبلها. فكانت تأخذها بنهم وتَقبل قُبله العجلى كلّما شاء بين فينة وأخرى؛ وكان عبثهما يزعجني حقّا. "ويحك أيّتها الفتاة البكر، أنسيت زواجك ومن يحبّك وتحبّين، وعلى عريسك الّذي لا أعرفه والّذي اختاره أبواك شريك عمرك بالأمس القريب تؤثرين هذا السّفّاح الملطّخ بالدّم والغريب؟ أما تحسّين وخز ضميرك؟ أدست على عاطفتك واستطبتِ الدّعارة بين القنا والسّيوف؟ ماذا لو تفطّن بقيّة اللّصوص بنحو ما إلى ما بينكما؟ لعلّك ستلجئين إلى الحمار آنذاك، ومن جديد توردينني الهلاك؟ أنت يقينا بجلد غيرك تلعبين!"

7-12 خطّة ذكيّة

بينما أنا أردّد في داخلي مثل هذا التّنديد باستنكار شديد، التقطت بعض التّلميحات المريبة والّتي لا تخفى على حمار أريب، أدركت منها أنّه ليس اللّصّ الشّهير هيموس، وما هو سوى خطيبها تليبوليموس*. فقد قال مواصلا كلامه وبصوت أجهر، لامباليا بوجودي كما لو كنت ميّتا: "تشجّعي، حبيبتي خريطة* الحلوة، قريبا يكون كلّ أعاديك أسارى بين يديك." ثمّ عاد إليهم وقد لعبت المدام برؤوسهم، واستنفد الخُمار طاقاتهم، يترعهم خمرا صرفا غير مذيقة فتّرها قليلا لهم، ممتنعا هو نفسه عن الشّرب معهم. ولقد أثار حقًّا لديّ الشّكّ بأنّه خلط بأقداحهم مخدّرا، إذ كانوا كلّهم بلا استثناء يثوون مكفّنين بالخمر، كلٌّ أمواتا سواسية. عند ذلك وبمنتهى السّهولة شدّ وثاقهم بإحكام، وقيّدهم وفق رغبته، ثمّ أركب فتاته على ظهري وساقني نحو بلدته.

7-13 موكب النّصر

لمّا وصلنا، خرجت المدينة كلّها لرؤية المشهد المرتجى؛ هرع للقائنا الأقارب والأصهار والموالي والصّبيان والخدم، والبِشْر يعلو وجوههم، والبهجة تفعم قلوبهم. فكنتَ ترى موكبا من كلّ جنس وعمر، ومشهدا جديدا لعمري وجديرا بالذّكر مدى الدّهر: فتاة في موكب نصر على عيْر. كنت في غاية الغبطة من جانبي^ وحرصت على ألاّ أنشز عن الجوّ كغريب غير معنيّ، فمددت أذنيّ ونفخت خيشوميّ وأطلقت نهيقا عاليا بل كهزيم الرّعد مدوّيا. وبينما اقتيدت الفتاة إلى غرفتها حيث أقبل عليها أبواها بمحبّة يهدهدانها، أعادني تليبوليموس في جمع غفير من النّاس والدّوابّ في الحال، وأنا غير كاره، على أعقابي. إذ كنت إذّاك فضلا عن فضولي أودّ مشاهدة أسر أولئك اللّصوص؛ وبالفعل، داهمناهم وقد شدّت وثاقهم الخمر أكثر حتّى من قيودهم. استُخرجت كلّ الأخباء، فحُمّلنا الذّهبَ والفضّةَ وأثقالا أخرى؛ أمّا اللّصوص فقد دُحرج بعضهم مقيّدين كما كانوا إلى الصّخور القريبة وألقوا على شفا الأجراف، وتُرك الآخرون بعد قطع رؤوسهم بسيوفهم. ثمّ عدنا إلى المدينة فرحين مسرورين بهذا الانتقام؛ فأحيلت الأموال إلى الخزينة العامّة ورُدّت لتليبوليموس بالقانون الغادة المستعادة.

7-14 قرار تكريم حميدٌ...

مذّاك دأبت العروس على الاعتناء بي بمنتهى المودّة داعية إيّاي منقذها؛ حتّى يوم زفافها لم تنسني، وأمرت بملء معلفي شعيرا وإعطائي من الكلإ المجفّف ما يكفي بعيرا من بكتريانة*. مع ذلك كم كنت ألعن محقّا رقى فوتيس المشؤومة الّتي مسختني حمارا لا كلبا وأنا أرى كلّ الكلاب تحشو بطونها ببقايا وجبة وفيرة أو بما تلتقف اختلاسا. بعد ليلة واحدة تلقّت فيها نُتفا تمهيديّة من فنّ فينوس*، لم تكفّ العروس عن ذكر جمائلي لدى أبويها وبعلها حتّى وعدوا بإكرامي على الوجه الأكمل. دُعي أخيرا ذوو المشورة من الأصحاب فأعطوا رأيهم في الوجه الأمثل لمكافأتي بما يناسب فضلي؛ رأى أحدهم أن أُرجن بالبيت وأُعفى من كلّ عمل وأُسمّن بشعير منتقى وفول وبرسيم. لكنّ آخر أشار مراعاة لحرّيّتي وأقنعهم بأن يدعوني بالأحرى أمرح وأعبث في الحقول والمروج مع قطعان الخيل، لأنزو على الأفراس فأعطي مالكيّ من البغال شعبا طيّب الأغراس.

7-15 وتنفيذ أحمد

لذا دعوا فورا سائس الخيل وسلّموني إليه بعدما استوصوه بي خيرا؛ فرُحتُ أهملج أمامه فرحا وبشْرا، ورأيتُني أُعفيت من نقل الأكياس والأحمال المختلفة، وحصلتُ على الحرّيّة وواجدا مع بداية الرّبيع حتما بعض الورود بين المروج المعشبة. وكان يدور ببالي أنّهم ما داموا يخصّونني حمارا بكلّ هذا الحمد وهذه الأشراف العليّة، فسأكرًّم بأنعُم أجزل وأعظم عند تلقّي هيئتي البشريّة. لكن بعدما اقتادني مربّي المواشي بعيدا عن المدينة، لم تتبع أيّة ملاذّ بل ولا أيّة حرّيّة؛ إذ بادرت زوجته، وهي امرأة حريصة وبذرة سوء، بارتهاني في النّاف لإدارة رحى طاحونة؛ فكانت لا تنفكّ تلطّني بعصا غير مشذوبة، معدّة على حساب جلدي الخبز لها ولأهلها. بل ما كان يكفيها إنهاكي لإعداد طعام أسرتها، فتطحن حنطة الجيران بتأجير دوراني المستمرّ لهم؛ ولقاء كلّ عملي لا تقدّم لي، يا للغبن، حتّى الأعلاف المقرّرة لي. فشعيري بعد قلْيه وطحنه بدوراتي تحت نفس الرّحى، كانت تبيعه للأجوار سكّان القرى، وبعد شدّي كامل النّهار إلى تلك الآلة المنهكة تحمل لي مع المساء، نخالة خشنة غير مغربلة مليئة بالحصى.

7-16 في ضيافة أبناء العمومة

سلّمتني ربّة الحظّ القاسية وأنا منسحق تحت تلك الرّزايا إلى أنكال جديدة لأفخر لا شكّ بمآثري وانتصاري الكامل بالدّاخل والخارج^ كما يقال؛ فقد نفّذ صاحبي يوما وإن بتأخير أمر أسياده، وسمح بدمجي مع قطعان الخيل. هأنذا أخيرا حمارا طليقا سعيدا أنطّ مرحا، ثمّ أقترب متباطئا، نابضا بالشّهوة، لأتخيّر أنجب الأفراس حلائل لي؛ لكنّ تفاؤلي أوردني المهالك مرّة أخرى، وكاد يرديني. فالفحول المسرّحون في المرعى منذ أمد للسِّفاد يرتعون حتّى الشّبع ويوْدكون من زمان، شداد البأس بطبعهم والأقوى لا شكّ من أيّ حمار، خشوا مزاحمتي وتهجين سلالتهم من زناي بنجائبهم فأخذوا، دون مراعاة قوانين يوبتر* المضياف، يتابعون غريمهم بحقدهم المسعور. رفع أحدهم حيزومه العريض موتّرا فهدته، وانتصب عاليا، مشمخرّا بهامته، فوكزني بسنبكيه الأماميّين؛ واستدار لي آخر بردفه المتين المفتول العضلات فرمحني؛ وصهل ثالث متوعّدا، ممدّدا أذنيه إلى الخلف، مكشّرا عن صفّين من النّواجذ القاطعة اللاّمعة، وانهال عليّ عضّا. تماما كالّذي قرأتُ في قصّة عن ملك تراقيّ*^ كان يقدّم ضيوفه التّعساء لخيله المتوحّشة فتمزّقهم وتفترسهم، ويقال إنّ ذلك الحاكم القويّ كان يُكدي في الشّعير، مقدّما لسدّ جوع خيله الشّرهة أجسادا بشريّة من باب التّوفير.

7-17 رفيق جديد

بنفس النّحو مُزّقتُ أنا الآخر بهجمات تلك الجياد المتنوّعة فبتُّ أطلب الرّحى والمدار؛ لكن لم يكف الحظَّ ما لقيت من محن كبرى فأعدّ لي من جديد داهية أخرى. فقد أُرسلتُ لنقل حطب من الجبل، وكُلّف بي غلام هو شرّ الغلمان بلا جدل. فكما لو لم يكن يكفيني الإرهاق من صعوبة الصّعود إلى قمّة ذلك الجبل واهتراء حوافري من الاصطدام بالنّتوءات الصّخريّة، كنتُ فوق ذلك أطرَّق بوابل من ضربات العصا المتتالية فتتغلغل أوجاعي من الكدمات فيّ حتّى النّخاع. وكان يوقع ضرباته دوما بفخذي اليمين، حتّى تقرّح جلدي من تتالي الضّرب على نفس المكان، وغار القرح فصار ثقبا، بل حفرة أو كوّة، وهو لا ينفكّ عن لطع الجرح النّازّ دما؛ وكان مع كلّ ذلك يُثقل ظهري بزنة من الحطب تخالها لضخامتها أُعدّت حمولة لفيل لا لعيْر. والأمرّ من ذلك أنّه كلّما أبهظ الحمل من جانب وأخذ في الميلان، عوض إنزال شيء من الحطب من الجانب الرّاجح المنذر بالتّداعي كما يفترض فيريحني إذ يخفّف قليلا حملي، أو نقل جزء منه إلى الجانب الآخر لتحقيق التّوازن على الأقلّ، يزيد أحجارا إلى الجانب المقابل معالجا بهذا النّحو اختلال الثّقل.

7-18 ملاذّ حياة الرّيف

ثمّ ما كان يكفيه، بعد كلّ أضراري، ثقل حمولتي المفرط، فكلّما عبرنا نهرا يتدفّق عرَضا عرْض طريقنا، يثب لحفظ مداسه من البلل على عجُزي ويركب ضغثا على إبّالة، وثقلا فوق ثقالة، وإن كان طفيفا لا محالة. وإن حدث أن زللت وأنا أرزح تحت وطأة حملي على حافّة الضّفّة المزلقة من الطّمي، وكبوت متهافتا إلى الأمام، فكان على سائسي الشّاطر مدّ يده وجذبي من رسني، أو شيْلي من ذيلي، أو على الأقلّ سحب جزء من حملي المفرط لأنهض، يمتنع عن تقديم أيّ عون لي في عجزي، وبدءا بالرّأس بل بالأذنين، ينهال على كلّ مكان في جسمي بعصا غليظة فيُنهضني الضّرب كإكسير منعش. كذلك ابتكر لي هذه الحيلة المهلكة: لفّ أشواكا لاذعة الوخز سامّة الرّؤوس، برم عليها على شكل دبّوس، وربطها بذنَبي منخاسا متدلّيا شديد المضرّة، لتتحرّك إذا مشيت مسبّبة لي غزغزة مؤلمة بحُماها المردية.

7-19 حيلة طريفة وظريفة

فكنت أقاسي منها أذى مزدوجا: إذا اندفعت أعدو هربا من ضرباته الموجعة، أصابني من تسارع الأشواك أشدّ المضرّة، وإذا تباطأت قليلا لاجتناب تلك الأذيّة، أعادني الضّرب مكرها إلى الهرولة. هكذا لم يكن لذاك الغلام المتوقّد شرّا من شغُل، كما يبدو، سوى السّعي في هلاكي بكلّ السّبل، بل أكثر من مرّة آلى ليوردنّني الرّدى. وبالفعل تسنّى له مرّة أن يدفع مكرَه إلى محاولة أدهى، إذ عيل صبري يوما من فرط اضطهاده، وأزجيت له رمحات شدادا؛ فابتدع للإيقاع بي هذه المكيدة. حمّلني رزمة من المشاقة ربطها عليّ جيّدا بحبل، ثمّ ساقني على الطّريق، فاختلس من ضيعة قريبة جذوة متّقدة وضعها وسط الحمل. فما تلبث النّار أن تحمى مغذّاة بذاك الوقود الدّقيق، وتثجّ ألسنة مارجة من اللّهب ويشبّ في جسمي حريق، دون أن يلوح لي ملاذ من هذه المأساة، ولا بارقة أمل في النّجاة؛ والحريق لا يحتمل الانتظار أو التّروّي لاتّخاذ أنسب قرار.

7-20 الخلاص

أخيرا التفت الحظّ لي، وأنا في هذه الورطة المهلكة، وضّاحا باسما، ربّما لاستبقائي لمهالك آتية، لكنّه في تلك اللّحظة على الأقلّ أنقذني من موت مبرم محقّق. لمحت صدفة بالقرب منّي بركة ماء عكر تركها مطر الأمس، فغطست فيها بقفزة مرتجلة، وبعد إطفاء النّار تماما، خرجتُ أخيرا وقد أُرحت من حملي ونجوت من الهلاك. لكنّ ذلك اللّعين زاد على ذلك فرماني بفعلته السّوءى، مؤكّدا لكلّ الرّعاة أنّي من تلقاء نفسي عند مروري بخطى متعثّرة حذو مواقد للجيران وقعت فأوقدت النّار في نفسي بمحض إرادتي؛ وأردف ضاحكا: "حتّام نعلف سدى أبا لهب هذا؟" بعد ذلك بأيّام قليلة دبّر لي مكيدة أنكى: فقد عمد يوما إلى بيع حمل الحطب في كوخ قريب وأعادني فارغا، مدّعيا عجزه عن السّيطرة على شراستي، ورفضه الاستمرار في تلك المهنة النّكدة؛ ومضى يلفّق تهما من هذا القبيل:

7-21 من أفواه الأطفال تخرج الحقيقة

"أترون هذا المثّاقل الكسلان، والحمار أكثر ممّا في الإمكان؟ بعد فعاله الشّائنة الأخرى العديدة، ها هو يوقعني في مخاطر جديدة. كلّما رأى أحدَ المارّة، من امرأة مليحة أو بنت يافعة أو غلام نضر، ألقى حمله حالا بل والوكاف أحيانا وانقضّ عليه في سعُرٍ؛ فعاشقنا مشته للبشر، يطرحهم أرضا ويدهمهم فاغرا فاه، محاولا إرضاء شهواته الشّاذّة المحرّمة وغرائزه الوحشيّة النّهمة ويدعوهم إلى قران تمقته فينوس*. بل وبفيه البشع، في محاولة لمحاكاة قبلة الإنسان يمسكهم قسرا ويشبعهم عضّا: صدّقوني، سيسبّب لنا هذا الأمر بالتّأكيد خصومات ومشاكل غير هيّنة، بل، من يدري، وقضايا ربّما. قبل حين مثلا رأى شابّة محترمة فأوقع حمل الحطب وبعثره واندفع في هياج مسعور باتّجاهها؛ وما لبث عاشقنا المرهف أن طرح تلك المرأة على الأرض بأوساخها، راغبا هناك أمام النّاس في اعتلائها. ولو لم يهبّ بعض المارّة استجابة لصراخها، فيخلّصوها من بين حوافره بعدما كاد يدقّ عظامها، لتعرّضت المسكينة إلى كارثة شنيعة، تاركة لنا قضيّة جنائيّة!"

7-22 حكم يناسب الجرم

بهذه الأكاذيب ممزوجة بأقاويل أخرى كانت تمضّ صمتي المخزي بشدّة، أثار ضدّي مشاعر الرّعاة بحدّة. قال أحدهم: "ألا يجدر بنا أيّها الرّفاق أن نقدّم هذا الزّوج العموميّ، بل هذا الزّاني بكلّ من يجد كفّارة للآلهة عن فواحشه المنكرة كما يستحقّ؟" وأضاف: "هيّا يا ولد، انحره فورا، وارم الحوايا لكلابنا، واحتفظ ببقيّة اللّحم طعاما للعمّال؛ ولنُعد جلده مدبوغا بالرّماد إلى أسيادنا فنقول أكله الذّئب، يصدّقونا بسهولة." وبدون تردّد أسرع متّهمي الماكر ومنفّذ حكم الرّعاة فيّ معا، فرحا شامتا لمصائبي متذكّرا تلك الرّفسة- الّتي يؤلمني أنّها وحقّ السّماء لم تُجْدِ نفعاً- يشحذ سكّينا على حجر المسنّ.

7-23 نجاة معجزة ( بالمعنييْن)

لكنّ واحدا من مجموعة الرّعيان انبرى قائلا: "حرام وحقّ السّماء أن نتلف بهذا النّحو حمارا جيّدا مثله، ونحرم أنفسنا خدمته ونحن إليها بأمسّ الحاجة، مجرّمين مزاجه الشّهوانيّ الماجن. والحال أنّنا لو اكتفينا بخصيه لما أمكنه التّحرّش بعد أبدا ولخلّصكم حينئذ من هذه المخاوف وزيد فوق ذلك ودكا وبسطة في الجسم. أعرف العديد من الجياد الشّرسة، ناهيكم عن الحمير المسالمة، احتدّت من فرط الغلمة طباعها ثمّ عادت بعد خصيها سلسة ليّنة لا تتأبّى عن حمل الأثقال وتتحمّل غير ذلك من الأعمال. بعد بضعة أيّام سأذهب خلالها إلى السّوق القريبة لبعض حاجتي، يمكنني، إن قبلتم فكرتي، أن آخذ من البيت عدّتي وأعود إليكم فورا فأستلّ من بين فخذي عاشقنا الفظّ المنفّر ذكورته وأجعله أودع من الحمل."

7-24 أهلا وسهلا

انتشلني هذا الحكم من بين يدي أركوس *، لكن ليستبقيني لعقاب أنكى؛ فلبثت أتألّم باكيا على هلاكي الكلّيّ الوشيك في أقصى جزء منّي^. أخذت أفكّر في طريقة للانتحار بالإضراب المتواصل عن الطّعام أو بإلقاء نفسي من شفا هاوية؛ في تلك الحالة أيضا سأموت لا محالة لكن سأموت كاملا على الأقلّ. ما زلت أتردّد في اختيار ميتتي حتّى عاد في الصّباح جلاّدي، ذلك الغلام اللّعين، ليسوقني على طريق الجبل المعتادة. ربطني إلى غصن يتدلّى من شجرة بلّوط فارعة، ثمّ تنحّى قليلا عن الطّريق ليقطع بالبلطة حمولة من الحطب؛ فجأة طلع علينا من مغارة قريبة، مطلاّ بهامته الضّخمة، دبّ رهيب. حالما رأيته نكصت فزعا مذعورا من هذه الإطلالة المفاجئة، راكزا كلّ ثقل جسمي في عرقوبيّ الخلفيّين^، رافعا هامتي في جموح، فقطعت زمامي وفررت فورا من هذا الخطر المهول، دافعا بأقصى سرعة عبر الشّعاب لا قوائمي فقط، بل كامل جسمي. وانطلقت أركض بسرعة جنونيّة إلى سفح الجبل حيث تمتدّ بطاح رحيبة، هاربا بأقصى طاقتي من الدّبّ المتوحّش والغلام الأسوإ منه^.

7-25 الخلاص أخيرا

بعد قليل رآني مسافر سائبا فاستولى عليّ وامتطاني بسرعة، وساقني على طريق منحرفة لا أعرفها، غير ضانّ عليّ بجلدات من عصا كان يحملها. فامتثلت دون ممانعة لمشواره، نائيا بنفسي عن مجزرة ذكورتي المريعة، وما كنت، والحقّ يقال، أتضايق كثيرا من ضرباته، فقد ألفت الضّرب وشُكّلت في قالبه. لكن أبى الحظّ المتمادي في اضطهادي إلاّ أن ينغّص عليّ سريعا كعادته انسحابي الّذي أتاحته فرصة فريدة، فنصب لي شراكا جديدة. بينما أولئك الرّعاء يجوبون أنحاء البلاد بحثا عن عِجلة أضاعوها، لاقونا فجأة فعرفوني حالا وأمسكوا بزمامي محاولين جرّي. غير أنّ صاحبي تصدّى لهم بجرأة وحزم، مستشهدا النّاس والآلهة: "لماذا تغتصبون حقّي عنوة؟ ولماذا تعتدون عليّ؟" فردّوا: "ماذا تقول؟ أنغلظ معاملتك وأنت سرقت حمارنا؟ لِم لا تقول لنا بالأحرى أين أخفيت الولد سائسه الّذي قتلته بلا شكّ." وفي الحين تلّوه أرضا وأشبعوه لكما ورفسا، والمنكود يصيح من ألم الضّرب والرّجّ، مقسما أنّه لم ير سائسا بل وجدني سائبا فأخذني طمعا في البشارة الّتي سينالها حتما عند ردّه إلى صاحبه. ويقول: "لولا ينطق هذا الحمار الّذي ليتني ما رأيته أبدًا فيشهد على براءتي، لتندُمنّ إذّاك وحقّ هرقل على إساءتكم." لكنّ تأكيداته لم تأت بنتيجة، إذ أخذه أولئك الرّعاة الجفاة من خناقه فعادوا به إلى أحراج الجبل الكثيفة حيث اعتاد الغلام الاحتطاب.

7-26 ويصدق وعده والصّدق شرّ إذا ألقاك في الكرب العظام

أمّا هو فلم يُعثر عليه في البرّيّة في أيّ مكان لكن شوهدت جثّته كأشلاء ممزّقة مبعثرة في أماكن متفرّقة. أدركتُ أنّ ذاك بلا ريب فعل أنياب الدّبّ، وكنت لعمري سأدلي بما أدري لو أسعفني النّطق؛ لكنّ كلّ ما كنت أستطيع فعله هو أن أتلذّذ بصمت هذا الثّار وإن تأخّر. وبعد جمع الأشلاء المتناثرة عثروا في النّهاية على كامل الجثّة ورفؤوها بشديد المشقّة وواروها الثّرى على عين المكان؛ أمّا صاحبي بلّيروفون*، السّارق الثّابت والقاتل الدّمويّ في اعتبارهم، فقد اقتادوه مقيّدا إلى ديارهم في انتظار أخذه غدا عند مطلع النّهار إلى القضاة لينال عقابه حسب أقوالهم. بعد ذلك ظلّ الأبوان ينتحبان ويلتدمان أسى على الغلام إلى أن قدم عليهما ذلك الرّاعي غير مخلف وعده طالبا إجراء العمليّة المقرّرة. فقال أحدهما: "ما من ذلك مصابنا الحاضر^، لكن غدا يمكنك بالتّحقيق أن تفصل لهذا الحمار اللّعين لا خصيتيه فحسب بل وحتّى رأسه ولن تعدم عون جماعتنا."

7-27 جريمة ضدّ الإنسانيّة

هكذا تمّ تأجيل عذابي إلى الغد؛ فرحتُ أحمد معروفه للولد الودود فميّتا على الأقلّ منحني مهلة يوم على تعذيبي. لكنّهم لم يعطوا نفس المهلة لعرفاني ولا راحة بالي؛ فقد هرعت أمّه إلى الإسطبل شاكية باكية ميتة ابنها الشّنيعة، متّشحة بثياب الحداد، ممزّقة بكلتا يديها شيبها المعفّر بالرّماد، مولولة ورافعة بالعويل صوتها، وبعدما لطمت وأدمت صدرها أنشأت تقول: "هذا الدّنيء الآن مكبّ على المذود يطلق لشراهته العنان حاشيا جوفه البربخ السّحيق مستزيدا، لا يبالي بأساي ولا يذكر فاجعة سيّده المغتال. بل واضح أنّه بالعكس يستهين ويستخفّ بشيخوختي وعجزي، ويظنّ بوسعه الإفلات من العقاب على جرمه المخزي؛ لكنّه بنحو ما يتصوّر نفسه بريئا، فمن المناسب ارتجاء راحة البال بمحاولات سوءى لكبت الشّعور بالذّنب. إذ مَن يا أسوأ الدّوابّ كافّة، تستطيع حتّى لو أتيح لك الكلام لحظة، أن تقنع، مهما بلغ غفلة، ببراءتك من هذه الجريمة المنكرة، بحقّ كلّ الآلهة، بينما كان بإمكانك أن تدافع عن صغيري بقوائمك وتحميه بأسنانك؟ لطالما اعتديت عليه برمحاتك النّحاس، أفما استطعت الذّود عنه وهو يجابه الموت بنفس الحماس؟ كان بوسعك على الأقلّ حمله على ظهرك في الحين، وانتشاله من بين يدي ذلك اللّصّ الدّمويّ الزّنيم، بدل أن تهرب وحدك، تاركا وسائبا قرينك ورفيقك وراعيك وسيّدك. أتجهل أنّ من يرفضون إغاثة أشخاص يواجهون خطر الموت يعاقَبون لأنّهم إذّاك ضدّ القيم الإنسانيّة يتصرّفون؟ ^ لكن لن تلذّ بنكبتي طويلا يا شرّ سفّاح، فسأريك أيّة قوى تهب الطّبيعة ألما فاجعا وأيّ سلاح."

7-28 الدّفاع عن النّفس بالوسيلة الآخرة ( والأخيرة!)

دسّت يديها وهي تقول ذلك، فحلّت زنّارها وربطت كلتا قائمتيّ وشدّتهما معا بإحكام، بلا شكّ كيلا تبقى لي وسيلة انتقام. ثمّ تناولت قضيبا يمسّكون عادة باب الإسطبل بواسطته، فما انفكّت تضربني به حتّى خارت قواها وخانتها ذراعاها، وأفلت بفعل وزنه من يديها؛ فجرت إلى الموقد شاكية وهن ساعديها، وحملت منه سطاما متّقدا أولجته بين فخذيّ، فلجأت إلى آخر وسيلة للدّفاع عن نفسي بقيت لديّ: حزقت بطني بجهد فأطلقت رشاشا من المُشاء لطّخ عينيها ووجهها، ففرّت أخيرا معماة منخنقة وكفتني شرّها، وإلاّ لهلك الحمار ملياغرا* بقبس ألثاية* مسعورة.