أبوليوس

 

الحمار الذّهبيّ

 

الكتاب الخامس

 

حواش

11

10

9

8

7

6

5

4

3

2

1

مقدّمة

 

5- الكتاب الخامس

5-1 القصر العجيب

سكن كدر بسيشية في ضجعتها العذبة على ذلك المفرش من الكلإ الغضّ النّديّ وغفتْ بفتور؛ وبعدما جدّد قواها قسط كاف من النّوم قامت صافية الذّهن. فرأت حولها غابة نبتت فيها أشجار فارعة فينانة، ورأت نبعا يتلألأ فيه ماء زلال؛ ووسط ذاك الغاب قرب رأس النّبع شيد قصر ملكيّ بني لا بأيد بشريّة بل بصنعة إلهيّة. من المدخل تعلم أنّك أمام منزل لأحد الآلهة يزهو فخامة وبهاء؛ وتحت تسقيفته المزخرفة بفنّ بالعاج وخشب السّرو، تنتصب أعمدة من الذّهب؛ وتغطّي جدرانَه نقوش من الفضّة تمثّل حيوانات وحشيّة وأليفة شتّى تبرز لأنظار الدّاخلين. فأيّ فنّان مبدع فذّ، بل أيّ نصف إله، بل أيّ إله أضفى على تلك الفضّة حياة وتحفّزا^. بل حتّى البلاط زُركش بفسيفساء من الحجر الكريم، شُكّلت بها شتّى الرّسوم؛ فطوبى وألف نعمى لمن تطأ أقدامهم تلك الجواهر والحلى. وكلّ أقسام القصر الّتي تمتدّ على الطّول والعرض تحفا نفيسة لا تقدّر بثمن، وكلّ الجدران الملبّسة بالذّهب المصمت الخالص تتلألأ بضياء ذاتيّ، حتّى لَيشرقُ القصر لو أبت الشّمس إرسال نورها بضياه؛ والغرف والأروقة وحتّى الأحواض تشعّ نورا يذهب بالأبصار سناه. وتتجاوب بقيّة التّجهيزات مع فخامة المنزل، حتّى لتظنّه حقّا، وما ظنّك بغير المبرّر، قصرا إلهيّا شاده يوبتر* العظيم للاتّصال بالبشر.

5-2 مفاجأة

اقتربت بسيشية، تدعوها بهجة تلك الجنّة، وبمزيد من الثّقة، جرؤت على تخطّي العتبة؛ ثمّ أخذت تجيل بصرها في كلّ ما حولها، مبهورة بذاك المنظر الرّائع البهاء، وتنظر على جانبي البيت في الحجرات البديعة الإنشاء وكلّها ملأى بكنوز لا تحصى؛ فليس في الدّنا ما لا يوجد هنا. لكنّ أعجب ما في تلك الكنوز أنّ لا وثاقا يحميها ولا قفلا ولا حارسا إطلاقا. فيما هي تتأمّل تلك التّحف بمتعة قصوى، سمعت صوتا مجرّدا من الجسم يقول لها: "لِم تنظرين يا مولاتي مشدوهة إلى هذه الثّروات؟ كلّ ما هنا لك أنت؛ فتفضّلي إلى غرفتك واستريحي من عنائك على التّخت، ثمّ استحّمي متى شئت. نحن الّذين تسمعين أصواتنا طاقم خادماتك المسارعات لتنفيذ طلباتك. وبعد العناية ببدنك، ستُحضر مأدبة ملوكيّة في الحين لك."

5-3 خدمات عالم سحريّ

أحسّت بسيشية نعيم اللّطف الإلهيّ، وأصغت إلى توجيهات الهاتف اللاّمرئيّ؛ فنامتْ ثمّ استحمّت مزيلة كلّ عناء عنها، فرأت في الحال مائدة نصف دائريّة وُظّبت قريبا منها، أدركت أنّها أعدّت لها فجلست بطيب خاطر حيالها. في طرفة قُدّمت لها أطباق حافلة بخمر رحيق وأطعمة مختلفة، بدون نادل بل مدفوعة إليها بنفحة متلطّفة. كانت لا تستطيع رؤية أحد، وإنّما فقط تلتقط الكلمات، الّتي تصدر حولها، ولا خدم لها سوى الأصوات. بعد المأدبة الفاخرة، دخل شخص لم تره وغنّى، ونقر آخر أوتار قيثارة لامرئيّة هي الأخرى، ثمّ بلغ سمعَها إنشاد قطعة جماعيّة من البيّن، وإن لم يظهرْ^ أيّ بشر، أنّه لفرقة غنائيّة.

5-4 العادة والسّعادة

بعد تلك الملاذّ، أوت بسيشية، مستجيبة لدعوة المساء، إلى فراشها؛ وصلت أذنيها، وقد تقدّم اللّيل، هفهفة خفيفة رفيفة. فخافت وارتعشت من وحشة الوحدة خشية على عذرتها فهي توجل، أكثر من أيّ مكروه، ممّا تجهل. ها قد أتى عريسها المجهول فاعتلى التّخت قربها وأتمّ زواجه ببسيشية وقبل طلوع النّهار أسرع بالارتحال. فهبّت في الغرفة الأصوات المنتظرة لخدمة العروس المفترَعة في الحال؛ وتكرّرت الأمور مدّة على ذلك المنوال. وكما هي سنّة الطّبيعة أخذتْ بتكرّر العادة الرّتيبة تتعلّق بوضعيّتها الغريبة، وكان الصّوت اللاّمرئيّ عزاء وحدتها الرّهيبة^. في الأثناء كان أبواها يُفنيان شيخوختهما البائسة في الحداد والأسى؛ وطوى الخبر الآفاق فبلغ أختيها الكبريين فتركتا حالا بيتيهما حزينتين باكيتين وأسرعتا لتريا أبويهما وتتحدّثا إليهما.

5-5 بين العِرسين

ليلتها خاطب بسيشية زوجها الّذي لم تكن تدرك حضوره أمام عينيها إلاّ بأذنيها أو يديها: ^ "أي بسيشية زوجتي الحلوة الحبيبة: قدر غشوم يهدّدك بخطر جسيم، أرى أن تحترسي منه بحذر عظيم. فأختاك المفجوعتان لظنّهما أنّك متّ على وشك القدوم إلى الصّخرة اقتفاء لأثرك، فإن سمعت شكاتهما لا تردّي بل لا تنظري قطّ ناحيتهما؛ وإلا سبّبت لي ألما مريرا ولنفسك ويلا وثبورا." فأبدت موافقتها واعدة بالتّصرّف حسب رأي زوجها؛ لكن بعد انصرافه مع انصرام اللّيل أمضت المسكينة في الدّموع والشّكاوى كامل النّهار ^ مردّدة أنّها الآن أكثر من أيّ وقت مضى انتهتْ تماما، إذ هي حبيسة سجنها الهنيء، محرومة من محادثة ومخالطة البشر، لا تستطيع مدّ يد المساعدة لأختيها المتفجّعتين عليها بل حتّى رؤيتهما. وبدون إنعاش جسمها بحمّام أو طعام، أو أيّ شيء يجدّد قواه، أوتْ ذارفة دموعا هتنا لتنام.

5-6 لكلّ حديث عندهنّ بشاشة

ما لبث زوجها أن أتى مبكّرا قليلا عن موعده المعتاد فاضطجع على الفراش بجانبها واحتضنها بحنوّ، ودموعها لا تزال تبلّل وجهها، وأهاب بها مترجّيا: ^ "أهذا ما وعدتني يا حبيبتي؟ ماذا أنتظر أنا زوجك منك وماذا أرتجي؟ ها أنت لا تكفّين طول النّهار واللّيل وحتّى في أحضان زوجك عن تعذيب نفسك. افعلي إذن ما تشائين واستجيبي لفؤادك الّذي يطلب الويل لنفسه! ستذكرين نصحي الحازم فقط لمّا تبدئين في النّدم بعد فوات الأوان^." عند ذلك أخذت تتوسّل إليه مهدّدة بأنّها ستموت حتّى نالت موافقته على رغباتها في رؤية أختيها وتخفيف أساهما والتّحدّث معهما. فاستجاب لتوسّلات عروسه بل وافق فوق ذلك على أن تهديهما ما شاءت من الذّهب والحليّ. لكنّه حذّرها بإلحاح وحذّرها مرارا من مغبّة السّعي، تأثّرا برأي أختيها الضّارّ، إلى معرفة صورة زوجها، وإلاّ هوت جرّاء ذلك الفضول الأثيم من علياء ذيّاك النّعيم لتقع في الحضيض ولن تحظى بعد بعناقه اللّذيذ. فشكرت زوجها وقالت منشرحة: "بل الموت مائة مرّة أحبّ لي من حرماني لذّة حياتنا المشتركة؛ فبكلّ كياني وكحبّي مهجتي، أحبّك أيّا تكون ولا أعدل بك حتّى كوبيدون*. لكن أرجو أن تمنّ عليّ منّة أخرى: مر خادمك زفيروس* بإحضار أختيّ على بساط كالّذي أقلّني عليه." وطبعت عليه قبلا ملؤها التّحضيض مردّدة كلمات معسولة وطوّقته بذراعيها مضيفة إلى تلك الملاطفات هذه الكلمات المتحبّبة:" يا أغلى وأحلى الأزواج، يا روح بسيشية الحبيب." فأذعن الزّوج مكرها لقوّة وسلطان الهوى ووعد بتنفيذ كلّ طلباتها؛ ثمّ مع اقتراب الفجر اختفى من بين أحضان زوجته مرّة أخرى.

5-7 لقاء الأخوات

أمّا الأختان فاستخبرتا وذهبتا فورا إلى الصّخرة والمكان حيث تُركت بسيشية؛ هناك أخذتا تنوحان وتقرعان صدريهما، فردّت الصّخور صدى بكائهما. وأخذتا تناديان أختهما المنكودة باسمها، ودوّى عبر الوهاد نحيبهما وسقط في أذني بسيشية فخرجت من البيت مضطربة وقد طار صوابها وهتفت: "لِم تهلكان نفسكما بالنّحيب بلا داع؟ ها أنا الّتي تبكيان. كفّا عن العويل وامسحا خدودكما المبلّلة بدموعكما المسترسلة؛ فبوسعكما عناق من تبكيان." ثمّ دعت زفيروس* وذكّرته بأمر زوجها؛ فاستجاب فورا لأمرها، حاملا إليها حالا أختيها بأنفاسه الرّقيقة على بساطه النّاعم. فتعانقن طويلا وطابت بعديد القُبَل أنفسهنّ، وعادت دموعهنّ بعدما هجعت جراحهنّ، تحدوها أفراحهنّ. قالت: "هيّا إلى بيتنا، وأعيدا البهجة إلى مهجتكما الكسيرة مع بسيشية حبيبتكما."

5-8 الأختان في بيت بسيشية

قالت ذلك وأرتهما ثروات قصرها الذّهبيّ الطّائلة، وأسمعت أذنيهما أصوات طاقم الخدم المسخّرين لها، ثمّ جدّدت قواهما بحمّام مفتخر، شفعته بمأدبة حوت ما لا يخطر على قلب بشر. فلمّا شبعتا من تلك الخيرات الرّبّانيّة الفيّاضة، دبّ في سويداء قلبهما الحسد. أخذت إحداهما تسألها بإلحاح وتدقيق عن صاحب تلك النّعم الإلهيّة، عمّن يكون زوجها، وما صفته. لكنّ بسيشية لم تخالف بأيّ وجه وصيّة زوجها، ولا أخرجت ما في خفايا صدرها؛ ولفّقت ارتجالا أنّه فتى وسيم بدأ زغب الشّباب يوشّح عذاريه مشغول جلّ الوقت بالصّيد في الجبال والحقول. وكيلا تفضح شفتاها بالاسترسال في ذلك الحديث سرّها المكنون، حمّلتهما قناطير من الذّهب المشغول والجواهر والحليّ، ثمّ دعت زفيروس* وعهدت بهما إليه لإرجاعهما.

5-9 الغيرة

فنفّذ الأمر فورا؛ ولمّا عادت الأختان الودودتان إلى البيت أخذت نار الغيرة^ اللاّذعة تكويهما وعلا لغطهما وهما تتبادلان أحاديث تنضح حسدا؛ قالت إحداهما: "أيّها الحظّ المتعثّر الجائر الغشوم، أيطيب لك أن تتباين مناباتنا إلى هذا الحدّ وقد وُلدنا من نفس الأبوين؟ نحن الكبريان نُعطى خادمتين لزوجين أجنبيّين ونُنتزع من بيتنا وأرض آبائنا لنقضي العمر بعيدا عن أبوينا في منفى الغربة. بينما تحظى أختنا الصّغرى، آخر حبّات العنقود، ونتاج الرّحم المكدود، بكلّ تلك الخيرات وتتزوّج إلها وهي لا تعرف حتّى كيف تستفيد على الوجه الأسلم من ذلك الفيض من الأنعم. أرأيتِ يا أختاه كم ينتشر في بيتها من الحليّ، وأيّ حليّ، أرأيت الملابس المتألّقة والجواهر المتلألئة، وكلّ الذّهب المنتشر على أرضه موطئا للأقدام؟ وإن يكن لها حقًّا زوج بالوسامة الّتي تقول، فلا امرأة اليوم على الأرض أسعد منها؛ بل قد يصل بزوجها تطوّر العشرة واستحكام الألفة بينهما إلى جعلها إلهة هي نفسها؛ وإنّ الأمر وعزّة هرقل* لكذلك، وبتلك الصّورة كان سلوكها وتصرّفها^. ها قد غدت تتطلّع إلى أعلى، متّخذة الأصواتَ خوادم لها وملقية إلى الرّياح أوامرها. بينما كان نصيبي، يا لنكد حظّي، زوجا هو ابتداءً أكبر من أبي، وفوق ذلك أقرع كاليقطينة، وأقصر من أيّ من الأطفال، وضع البيت كلّه تحت حراسة مشدّدة خلف الأغلال والأقفال."

5-10 المؤامرة

ردّت الأخرى: "أمّا أنا فبُليتُ بزوج عرّجه النّقرس وحناه، لا يكاد يلتفت إلى زهر شبابي جرّاه. فأنا أُفني العمر في تمسيد أصابعه المحقوقفة المتكلّسة، وأُثفن يديّ النّاعمتين بالضّمائد النّتنة والكمادات القذرة واللّصائق العفنة؛ لا أقوم لديه بدور الزّوجة الودود العروب بل الممرّضة الكدود الدّؤوب. يبدو أنّك يا أختاه ماضية في أداء وظيفة شبيهة بجلَد أو بالأحرى بخناعة، إن قلتُ ما أحسّ بصراحة؛ أمّا أنا، فلا أستطيع أن أتحمّل مرأى تلك البحبوحة آلت إلى غير أهلها أطولَ. تذكّري بأيّ زهو وأيّ كِبْر كانت تعاملنا، وبأيّ تباه وأيّ تبجّح نفّاج كانت تنفش نفسها أمامنا. وكيف رمتْ لنا غصب نفسها بغيْض من فيض خيراتها، وسرعان ما ملّت وجودنا معها فأوعزت بترحيلنا بالصّفير بل بالنّفيخ! قسمًا ما أنا امرأةً ولا جديرةً بالحياة إن لم أنزلها من تلك الأبّهة إلى الدّرك الأسفل؛ وإن كنتِ أنت أيضا تحسّين، كما يُفترض، حرقة حقريّتنا، فلنبحثْ عن خطّة ناجعة فيما بيننا. يجب بدءا ألاّ نبدي ما نحمل لأبوينا أو لأيّ سواهما، ولا حتّى علمَنا شيئا عن حالها. يكفي أنّا رأيناها نحن اللّتان نموت أسفا على مرآها؛ فلا نزدْ نفسنا كمدا بنشر الخبر السّعيد بين أبوينا وكلّ النّاس؛ فما بالسّعداء من لا يعلم ثرواتهم أيّ راء. ولتعلمْ أنّا أختاها الكبريان لا خادمتاها؛ والآن لنرجعْ إلى زوجينا وبيتينا الفقيرين لكن الخاليين قطعا من القصوف؛ ولنعدْ مستعدّتين بعد التّفكير المليّ المتأنّي وأصلب عزما لمعاقبة غرورها."

5-11 تحذير جديد

راق للشّرّيرتين سوء مكرهما فأخفتا كلّ الهدايا النّفيسة وعادتا إلى البكاء المليء بالرّياء، قاطعتين شعرهما وخادشتين خدودهما كما تستحقّان فعلا، مؤجّجتين بذلك أوجاع أبويهما الّتي سكنت قليلا قبْلا. وتركتاهما بعجل قاصدتين بيتيهما تتميّزان من نار غيظهما، لتدبّرا لأختهما البريئة مكيدة ماكرة بل جريمة منكرة. في الأثناء حذّر بسيشية مجدّدا زوجها الذي لم تر في أسمارهما اللّيليّة أبدا: "أترين أيّ خطر يهدّدك؟ ها أنّ الحظّ يناوشك من بعيد، وعمّا قريب يصارعك وجها لوجه إن لم تحتاطي لنفسك جيّدا. ذئبتان مداجيتان تجتهدان لإعداد مكيدة فظيعة لك، ملخّصها إقناعك باستطلاع صورتي الّتي، إن تريها فلن تريها بعد مطلقا، كما قلت لك وكرّرت سابقا. لذا لمّا تأتيك مستقبلا تانك السّعلاتان* الماكرتان، مضمرتين لك شرّا، وإنّي لواثق أنّهما ستأتيان، فلا تخوضي في حديث معهما، وإن تعذّر عليك تحمّل ذلك لسلامة طويّتك، فعلى الأقلّ لا تسمعي منهما أيّ سؤال عن زوجك أو تردّي عليه. واعلمي أنّ أسرتنا ستزداد فإنّ رحمك هذا الّذي ما زال في طور الطّفولة يحمل لنا طفلا آخر، إلها خالدا إن حفظتِ أسرارنا طيّ الكتمان، وإن هتكتِها فبهيئة الإنسان."

5-12 وآخر أخير

تهلّلت بسيشية انشراحا بالبشرى، وصفّقت ارتياحا لأمل السّليل الإلهيّ، واهتزّت فرحا بمجد الحبيب الآتي، وابتهجت بشرف اسم الأمومة. وها هي في شوقها تعدّ^ ما مضى من الأيّام والشّهور، وترقب معجبة تطوّر حملها من بُداءات غير مميزة إلى انتفاخ ضخم لرحمها في مدّة وجيزة. لكنّ جنّيتي النّقمة* الحاقدتين النّافثتي سمّهما النّاقع أبحرتا إليها متعجّلتين تنفيذ خطّتهما. فعاد الزّوج إلى تحذير بسيشية: "ها قد أزف اليوم الفصل والامتحان الأخير. هذا عدوّك الّذي هو من جنسك ودمك امتشق سلاحه واتّخذ مواقعه وسوّى صفوفه واستنفر للانقضاض عليك؛ أجلْ لقد جرّدت أختاك الغادرتان السّيف لنحرك. أيّة كوارث كبرى توشك أن تحلّ بنا يا بسيشية العذبة؛ فرحمةً بنفسك وبنا، ولْتقي بصيانة سرّنا المقدّس عشّنا ونفسك وصغيرنا شرّ دمار داهم. لا تري ولا تسمعي تينك المجرمتين اللّتين لا يجدر بك إزاء حقدهما الدّمويّ ودوسهما روابط الدّم أن تسمّيهما أختيك، لمّا تطلقان من أعلى الصّخرة، كعرائس البحر* نداءاتهما المشؤومة فتدوّي بها جلاميد الوادي."

5-13 سلاح المرأة

ردّت بسيشية مختنقة بغصصها وعبراتها: "لقد أتيح لك منذ مدّة، على ما أعلم، تقدير مدى أمانتي وتكتّمي، وستثبُت لك هذه المرّة أيضا صلابة نفسي. مُر فقط خادمنا زفيروس* بأداء خدماته مرّة أخرى، وعوّضني عن رؤية طلعتك الإلهيّة المحرّمة عليّ على الأقلّ برؤية أختيّ. أناشدك بخُصل شعرك الفوّاحة بذكيّ الطّيب المتدلّية على جبينك، وبخدّيك الغضّين الأسيلين الشّبيهين بوجنتيّ، وبهذا الحضن النّابض بحرارة غريبة لأتعرّف محيّاك على الأقلّ في صغيرنا. استجبْ لتوسّلات امرأة حائرة وتضرّعاتها الحارّة بمنحي نعمة تقبيل أختيّ، وأحيِ روح بسيشية المخلصة لك المتفانية. لن أطلب بعد المزيد عن صورتك، فحتّى ظلمات اللّيل لا تزعجني، ما دمت أنت معي يا نور عيني." فُتن الزّوج بهذه الكلمات وبغنج عناقها فكفكف بشعره دموعها ووعد أن يفعل وراح قبل أن يدركه الصّباح.

5-14 نفاق

من السّفينة توجّهت الأختان المتلازمتان، ثنائيّا وحّدته المؤامرة الآن، دون رؤية أبويهما رأسا إلى الصّخرة للاندفاع بسرعة؛ ودون أن تنتظرا حضور الرّيح لحملهما قفزتا بجسارة جنونيّة إلى الأعماق. لكنّ زفيروس* الّذي لم ينس أمر مولاه تلقّاهما، وإن كرهًا، في حضن نسمته اللّطيفة وهبط بهما على الأرض. وعلى الفور وبدون تردّد دخلتا البيت بخطى حثيثة، وعانقتا فريستهما بصفتهما أختيها زوراً، وتملّقتاها مخفيتين في أعماقهما كنوزا من الغدر خلف وجهين يفيضان سرورا. "بسيشية، لم تعودي صبيّة كأمس؛ ها قد صرت أمّا؛ أيّ بشرى تحملين لنا في استدارة بطنك الحلو الصّغير! وأيّ أفراح ستبعثين في بيتنا كلّه! هنيئا لنا ونعمّا تنشئة طفلك الحبيب! إن شابه، كما يحرى به، بهاء أبويه، فكوبيدونا* سيولد يقينا!"

5-15 الكذب فنّ أو لا يكون

بهذا التّودّد المليء رياء خلبتا شيئا فشيئا لبّ أختهما؛ ثمّ إنّهما جلستا فاستراحتا من وعثاء الطّريق وانتعشتا بحمّام ساخن، وردّت لهما الرّوح بمائدة فاخرة صُفّفتْ عليها الأطعمة الشّهيّة واللّحوم المقليّة. ثمّ أمرت القيثارة أن تتكلّم فعزفت، والمزامير أن تشتغل فشدت، وفرقة الغناء أن تنشد فأنشدت؛ فكانت أنغام حلوة خفيّة المصدر تبعث السّكينة في نفوس السّامعين. لكن حتّى رقّة تلك الأنغام العذاب لم تلطّف غلّ القهرمانتين الشّرستين، بل حوّلتا الحديث إلى الشّرك الذي حدّدتا بخطّتهما الماكرة وأخذتا تسألانها عن زوجها صفته وبلدته مخفيتيْن غايتهما. ولسذاجتها نسيتْ سابق روايتها^ وأتت بكلام جديد، زاعمة أنّه تاجر ذو مال ممدود، ومن بلد قريب، وكهل في أوسط العمر وخطت شعره بدايات مشيب، واختصرت حديثها. ثمّ أعادتهما على بساط الرّيح محمّلتين بأنفس الهبات.

5-16 ارتياب الأختين بكذبة بسيشية

أثناء عودتهما، محلّقتين على نسمة زفيروس* رُخاء، راحتا تتحاوران بمرارة: "ما نقول يا أختاه في أكاذيب هذه الحمقاء الفاحشة؟ مرّة فتى يزهرّ زغب غضّ بلحيته، والمرّة التّالية كهل في أواسط العمر ضحك المشيب بهامته؛ فمن يكون تُرى هذا الّذي غيّره في مدّة قصيرة شيب مفاجئ إلى هذا المدى؟ لا تفسير لذلك يا أختاه سوى أنّ هذه المرأة السّوءى تفتري كذبا أو تجهل صورة زوجها؛ وفي كلتا الحالتين يجب أن نخرجها من عيشها الرّخيّ بأسرع ما يمكن. وإن صحّ أنّها تجهل وجه زوجها، فلا بدّ أنّها تزوّجت إلها وتحمل في بطنها إلها؛ وإمّا تمسينّ، لا شاءت الأقدار، أمّا لطفل إلهيّ^ لأشنقنّ في الحال نفسي بخرتة حبل. في الأثناء، هيّا نعد إلى أبوينا ولنختلق لهما أكاذيب من قبيل ما قالت^."

5-17 افتراء ماكر

في حرقتهما، بعد كلمات عجلى مع أبويهما وليلة مؤرّقة مكدّرة، طارتا في الصّباح الباكر وقد طاش صوابهما إلى الصّخرة، ومنها هبطتا بعون الرّيح المعتاد في لمح البصر؛ وبدموع اغتصبتاها من العيون من فرط حكّ الجفون توجّهتا إلى الفتاة الغرّة بهذا الكلام النّاضح مكرا: ^ "أنت تجلسين هانئة سعيدة لجهلك بالشّرّ العظيم، غير آبهة بالخطر المتربّص بك، بينما نحن اللّتان نسهر حرصا على حوائجك نذوق سوء العذاب من مصائبك. لقد علمنا يقينا، ولمشاطرتنا إيّاك طبعا محنتك وأساك لا نستطيع أن نخفيك أنّ ثعبانا ضخما يزحف جارّا أثناءه المتعدّدة المتموّجة، وينفث من أوداجه سمّا ذعافا، ويفغر فاه عن جوف سحيقة، هو الّذي يضطجع معك متخفّيا كلّ ليلة. تذكّري نبوءة العرّاف^ الّتي ذكرتْ أنّك معدّة للزّواج بوحش شرس؛ ولقد رآه فلاّحون عديدون ومن بالجوار يصطادون وسكّان كثيرون يعود من مرعاه مع الغروب ويسبح في مياه النّهر القريب.

5-18 فضح نوايا الوحش

الكلّ يؤكّدون أنّه لن يستمرّ في تسمينك بلذيذ الأطعمة ولطيف الدّلع مليّا، فما إن ينضج حملك حتّى يلتهم فريسته كثمرة أحسن رئيا ورِيّا. والرّأي لك والخيار بين موافقة أختيك الحريصتين على حياتك الغالية والعيش معنا في أمان بمنأى من الأخطار، أو دفنك في جوف وحش ضار. وإن أعجبتك وحشة هذا الخلاء المأهول بالأصوات، وهذه الخلوة المستخفية المقرفة والمليئة بالمهلكات، وعناق ثعبان سامّ أفعوان، فسنكون على أيّة حال قد أدّينا ما علينا كأختين بارّتين." أرتج على بسيشية المسكينة من هول أقوالهما المريعة لسذاجة قلبها النّقيّ، وطار صوابها ونسيت تحذيرات زوجها ووعودها. وألقت بنفسها في الهاوية؛ ردّت عليهما مرتعشة، غائرة اللّون شاحبة، مهمهمة كلمات متقطّعة بصوت متلعثم لا يكاد يبين.

5-19 الوقوع في المصيدة

"لقد دأبتما يا أختيّ الغاليتين على أداء ما يملي عليكما برّكما كما كان يحرى بكما؛ وبالفعل لا يبدو لي أنّ من يؤكّدون تلك الأمور يكذبون. أنا فعلا لم أر أبدا وجه زوجي، ولا أدري من أيّ بلاد هو، إنّما أسمع فقط هسهسته ليلا، متقبّلة زوجا غامض الهويّة يفرّ من الضّياء، ومرتضية بحقّ وحشا كما تقولان بصدق^. وهو لا ينفكّ يخوّفني من مغبّة رؤيته، وينذرني شرّا عظيما من حبّ مشاهدة طلعته. والآن إن تستطيعا تقديم عون لإنقاذ أختكما المعرّضة للأخطار، فبادرا إلى مساعدتي دون انتظار، فالإحجام عن المساعدة بعد الإنذار من الخطر يفسد هذا الجميل." هكذا لقيتِ المجرمتان نفس أختهما عارية مفتَّحة لهما أبوابها، فتخلّتا عن تخفّي آلة الحرب المدسوسة وجرّدتا سيف الغدر وانقضّتا على فكر الفتاة السّاذجة المليء بالمخاوف.

5-20 الدّين النّصيحة

قالت إحداهما: "تقتضينا وشائج القربى ألاّ نضع نصب أعيننا أيّ خطر في سبيل سلامتك، لذا سنطلعك على طريق فكّرنا بها طويلا طويلا، هي وحدها الكفيلة بإيصالك إلى برّ الأمان. خذي مطواة ذربة واشحذيها على لوحة مسنّ ثمّ أخفيها جيّدا في الفراش، في الجهة الّتي اعتدت النّوم فيها، ودسّي سراجا صغيرا مليئا بالزّيت ذا ضوء وضّاح في قعر مكيال. خبّئي العدّة جيّدا، ولمّا يأتي زاحفا ساحبا أذياله، فيرتقي إلى مضجعه المعتاد ويتمدّد، ثمّ يستولي عليه خدر النّعاس، ولا يلبث أن يغطّ في نوم عميق، تسلّلي حينذاك من الفراش وامشي الهوينى حافية القدمين، مخفّفة وقع خطاك؛ ثمّ بعد ما تحرّرين من سجن الظّلام البهيم نفسك بالسّراج^ تحيّني على هدي ضوئه فرصة لتنفيذ فعلتك^ البطوليّة. خذي الخنجر بعزم وارفعي يدك عاليا فاقطعي بضربة شديدة مجمع الهامة والعنق من الثّعبان المَريد. ولن تعدمي العون منّا؛ فحالما تحقّقين بموته الخلاص لنفسك ستجديننا بانتظارك على أحرّ من الجمر، وبعد أخذ كلّ هذه الكنوز بسرعة معك^، سنُزوّجك وفق مناك إنسانا مثلك."

5-21 تردّد بسيشية

بعدما أجّجتا بهذه الأقوال حريقا في أعماق أختهما الّتي غدت متحمّسة للخطّة تماما تركتاها بعجل لخشيتهما على نفسيهما القرب من موقع المأساة الرّهيبة. حُملتا فورا على جناح الرّيح وبالدّفع المألوف إلى الصّخرة وما إن حُطّتا فوقها حتّى لاذتا بالفرار من الخطر فاستقلّتا فورا سفينتهما وارتحلتا. أمّا بسيشية الّتي تركتاها وحيدة، وما كانت حقّا كذلك إذ أتت جنّيّات النّقمة* يكدّرن نفسها، فكانت تضطرب في كربها كالبحر المتلاطم، ورغم صمود عزمها وصلابة تصميمها، بل حتّى وقد بدأت تُعدّ بيدها للجريمة، ظلّت تتأرجح حيرى تتنازعها في مأساتها مشاعر شتّى، ^ متعجّلة متمهّلة، مُقدمة مُحجمة، قانطة حانقة^، بل، وهو أدهى، في نفس الجسم مبغضة وحشا ومحبّة زوجا؛ ثمّ ضمّها المساء، حاملا في أعقابه الدّجى، فأعدّت للجرم عدّتها بعجلة متهوّرة. حلّ اللّيل وأتى زوجها فما لبث بعد مناوشات الهوى الأولى أن غرق في نوم عميق.

5-22 الوحش

إذّاك، وبمشيئة القدر الغاشمة، استجمعت بسيشية الضّعيفة في غير تلك اللّحظة جسما وعزما قواها وحملت المسرجة واستلّت المدية وسرت فيها شجاعة الذّكران. لكن ما إن اتّضحت على ضوء المسرجة أسرار تختها حتّى رأت أعذب وأرقّ الوحوش كلّها، رأت الإله البهيّ كوبيدون* ذاته ينام ببهاء؛ فتنامى لمشهده ضوء المسرجة وقد مسّته سرّاء، وخجل الخنجر بذبابه المتطاول على جلال الألوهة. أمّا بسيشية فقد وقعت في روعها من جلال المشهد رهبة، وخذلتها قواها، وغشيها شحوب وذهول، وخرّت جاثية على ركبتيها؛ وهمّت بإخفاء السّلاح، لكن في صدرها. كانت ستفعل حتما لو لم تنطّ المدية، لهول الجريمة، مفلتة من يدها الأثيمة؛ ظلّت طويلا تتأمّل خائرة مبهورة بهاء وجه الإله، ثمّ ما لبثت أن استفاقت من غشيتها. نظرت إلى شعر الرّأس الذّهبيّ المضمّخ برحيق الآلهة والجيد البضّ والخدّين المتورّدين المزدانين بأقواس الذّوائب، تدلّى بعضها إلى الأمام وارتدّ بعضها إلى الوراء، وأشعّت بسنا اهتزّ له ضوء السّراج نفسه. وعلى كتفي الإله المجنّح تألّق ريش كالزّهرة المبلّلة بالنّدى^، وعلى حافّة الجناحين السّاكنين، كان زغب غضّ ناعم يهتزّ مرتدّا في رعشة لطيفة. وباقي الجسم نيّر أملود لا تخجل بإنجابه على تلك الصّورة حتّى فينوس*؛ وأمام قوائم التّخت أُلقيت القوس والسّهام والكنانة، أسلحة الإله المباركة.

5-23 الجريمة...

لبثت بسيشية تتأمّل وتمعن في قسماته بفضول لا يشبع، وتعجب^ من أسلحة زوجها، ثمّ استلّت من الكنانة سهما. أرادت اختبار حدّته على أنملة إبهامها، فغرزته فيها عميقا بضغطة قويّة من سُلاماها المرتجفة حتّى تلك اللّحظة، جعلت قطرات دقيقة من دمها المشرب بلون الورود تنبجس على أديم بشرتها. هكذا وقعت بسيشية من تلقاء نفسها وبدون أن تدري في حبّ إله الحبّ؛ فأخذت تتّقد بهوى كوبيدون* أكثر وأكثر وانحنت عليه تغمره بجحيم من القبل العريضة المتلظّية^ بنهم وتعجّل، خائفة من ابتسار نومه. لكن فيما هي تضطرب سقيمة الفؤاد حيرى في تلك السّعادة السّكرى، أسالت المسرجة من أعلى ذبالتها، غدرا ودناءة أو حسدا وإساءة أو تحرّقا للمس جسم الإله ولثمه بنحو ما بدورها، قطرة من زيتها المحرق على كتف الإله اليمنى. فيا لك، أيّتها المسرجة الجسورة الأثيمة من خادم كَلّ للهوى، ها قد أحرقتِ بنارك من بناره يكتوي الجميع، أنت الّتي ابتدعك يقينا في البدء عاشق ليقهر بك ظلام اللّيل أطول وقت يمكن! هبّ الإله منتفضا من الحرقة واكتشف كيف نُكث عهده وهُتك سرّه فطار في الحال بعيدا عن شفتي ويدي زوجته البائسة دون أن ينبس بكلمة.

5-24 ...والعقاب

لكنّ بسيشية أمسكت فورا، لحظة نهوضه، رجله اليمنى بكلتا يديها وتعلّقت به بمسكنة مثيرة للرّثاء بينما راح يصّعّد في السّماء، وتبعته متشبّثة إلى طبقات السّحاب العلى، حتّى خارت قواها فهوت على الثّرى. لم يرض الإله العاشق بتركها طريحة الأرض، فهبط على سروة قريبة، خاطبها من أعلاها بتأثّر: ^ "أي بسيشية الغريرة، أنا من أجلك عصيت تعليمات أمّي فينوس * الّتي أمرتني أن أعلّقك حبّ أخسّ وأتعس إنسان، وأوقعك في أحطّ قران؛ بدلا من ذلك طرت إليك صبّا بك ولهان. لكنّي فعلت ذلك طيشا، كما أدرك الآن، ونفسي رميتُ أنا أبرع الرّماة بسهمي، فاتّخذتك زوجة لتري فيّ وحشا وتطعني بخنجرك رأسي الّذي يحمل عينين تذوبان في عينيك حبّا. مرارا أنذرتك وحذّرتك وجميلَ النّصح محضتك؛ لكن ستتلقّى مستشارتاك الفذّتان منّي حالا جزاء تغريرهما بك، أمّا أنت فبهجري سأعاقبك"؛ ولم ينه قوله حتّى انطلق في أعالي الجوّ.

5-25 نصيحة إله الرّعاة

ظلّت بسيشية جاثية على الأرض تشاهد على امتداد البصر طيران إلفها وتُذهب نفسها حسرات؛ ولمّا غاب عنها، لطول المدى، زوجها المحمول على مجاذيف من ريش، جرت لترتمي من حافّة نهر قريب. لكنّ النّهر سارع مترفّقا، مهابة ومخافة الإله الّذي طالما ألهب حتّى المياه، فوضعها برقّة من على موجته المتلطّفة على ضفّته المزهرّة عشبا وأبّا. بالصّدفة كان الإله الرّيفيّ بان* جالسا قريبا من هناك على ضفّة النّهر، معانقا حوريّة الجبال إيخو* عازفا على مزماره أعذب الأنغام ليعلّمها، وعلى كثب كانت عنزاته ترتع وتمرح في المرعى الرّحب، قاطفة هنا وهناك من كلإ الوادي النّضير. دعا الإله التّيس بسيشية العليلة الكسيرة إليه برفق، وما كان في الواقع يجهل قصّتها، ولاطفها بهذه الكلمات: "يا صغيرتي الحلوة، لست إلاّ راعيا ريفيّا، لكنّي بلغت من العمر عتيّا وأكسبتني السّنون تجارب عديدة؛ وإن صدق ظنّي، وهذا بالذّات ما يدعوه الحكماء عرافةً، فإنّي أحدس من خطوتك المترنّحة، وشحوب جسمك، وتنهّدك المستمرّ، وعينيك الذّابلتين، أنّك تعانين من هوى جبّار. فأصغي إلى نصحي، ولا تهلكي نفسك بالارتماء في النّهر من جديد أو بأيّة ميتة أخرى؛ كفّي عن البكاء ودعي الأشجان واستعطفي بالأحرى كوبيدون* أعظم الآلهة بالتّوسّل والضّراعة، واسترضيه بالملاطفات والطّاعة، فهو غلام مفرط في الدّلال والخلاعة."

5-26 بسيشية عند أختها الأولى

هكذا تكلّم الإله الرّاعي؛ فلم تردّ بسيشية واكتفت بالسّجود حمدا لألطافه؛ ثمّ هامت، حتّى أعياها المسير، بين الدّروب، ووصلت عرضا بها الطّريق مع الغروب إلى المدينة الّتي عليها زوج إحدى أختيها. لمّا علمت بذلك طلبت إخبار أختها بمقدمها؛ فأُدخلت، وبعد السّلام سئلت عن سبب مجيئها فأنشأت تقول: "تذكرين نصيحتكما لي بشأن الوحش الّذي ينام معي منتحلا صفة الزّوج، إذ أشرتما عليّ بقتله بمدية ذات شفرتين قبل أن يلتهمني، يا ويلتي، في بلعومه الشّره الرّهيب. لكن لمّا كشف لي قسماته ضوء المصباح، الّذي كنت أحمله كما أشرتما أيضا، رأيت منظرا عجبا بل مشهدا إلهيّا يسطع مهابة وجلالا، ابن الإلهة فينوس*، أجل كوبيدون* نفسه ينام في دعة وهناء. فبينما أنا مخطوفة أمام مشهد ذيّاك النّعيم، مضطربة النّفس من فرط اللّذّة، أتعذّب لقلّة^ صبري على الاستمتاع بحسنه الفتّان، لسوء الحظّ وقعت من السّراج قطرة زيت حارقة على كتفه. فنهض فورا من نومه ولمّا رآني أحمل خنجرا ونارا صاح فيّ: "جزاء فعلتك السّوءى، اذهبي فورا من فراشي لحالك وخذي من هنا كلّ متاعك. فإنيّ عازم على الزّواج على شرع يوبتر* من أختك"، وذكر اسمك، وأمر فورا زفيروس* أن ينقلني بنفخه خارج قصره."

5-27 الانتقام

قبل أن تنهي بسيشية كلامها، استولت على أختها حوافز الشّهوة المسعورة والحسد الحقود؛ فخدعت زوجها بكذبة لفّقتها للظّرف، متذرّعة بتلقّيها نعي أبويها، وأبحرت حالا، وفور وصولها توجّهت إلى الصّخرة. ومع أنّ ريحا أخرى كانت تهبّ إذّاك، أعماها الأمل الكاذب، ومن لهفتها ارتمت بقفزة هائلة في الفضاء قائلة: "خذني إليك يا كوبيدون* زوجة تليق بك، وأنت يا زفيروس* تعال احمل سيّدتك." لكنّها لم تستطع الوصول إلى ذلك المكان حتّى ميّتة؛ فقد تقطّعت أوصالها وتبعثرت على كتل الصّخور حيث بقيت أشلاؤها جزر السّباع والطّيور؛ وهكذا هلكت كما تستحقّ شرّ الهلاك والثّبور. ولم يتأخّر عقاب الثّانية؛ إذ عادت بسيشية تضرب في الأرض حتّى وصلت مدينة أخرى تقيم فيها بنحو مماثل أختها الكبرى. فأسرعت إلى الصّخرة بدورها، مدفوعة بنفس الكذبة من أختها، وبرغبة مماثلة في زيجة نكراء، ومنها هوت كالأولى إلى ميتة شنعاء.

5-28 غضب فينوس على ابنها

ثمّ مضت بسيشية تذرع الأرض بحثا عن كوبيدون*؛ أمّا هو فكان مضطجعا على فراش أمّه يئنّ متوجّعا من حرقة المسرجة. فأسرع الطّائر الأبيض السّابح بجناحيه فوق اللّجّة، النّورس الملامس للموجة، إلى أعماق مملكة أقيانوس*. هناك وجد فينوس* تغتسل وتسبح فمكث غير بعيد وأخبرها أنّ ابنها حُرق وهو طريح الفراش يئنّ من وجع الجرح المبرّح، ضعيف الأمل في الشّفاء. وأنّه سمع، عبر الشّائعات وشتّى الأقاويل الّتي يتناقلها النّاس في كلّ مكان أسوأ القدح في أسرة فينوس*: هو على جبله منغمس في الخلاعة، وأنتِ في البحرفي اللّهو والسّباحة. لذا اختفت الشّهوة والأناقة واللّطافة، وعمّت اللاّمبالاة والخشونة والجلافة؛ واختفت روابط الزّوجيّة وعلاقات الصّداقة وحبّ الذّرّيّة، وسادت قذارة مفرطة وقرف مغث لعلاقات مستوحشة بين البشريّة^. راح الطّير الفضوليّ المهذار ينقنق في أذنها ممزّقا عرض ابنها؛ فهتفت غضبى لحينها: "اتّخذ إذن ولدي الفاضل خليلة؟ هيّا أنبئني، أنت الّذي تخدمني بحبّ دون سواك، باسم الّتي غوت ولدي الغرّ الأجرد الفؤاد، أهي واحدة من شعب عرائس المروج والأنهار* أم من حوريّات الفصول* أم من فرقة ربّات الفنون* أم من طاقم تابعاتي إلهات الرّواء*؟" لم يكتم الطّير الثَرثار السّرّ، وأجاب: "لا أدري يقينا يا سيّدتي، لكن أظنّ فتاة تدعى بسيشية إن صدقتني ذاكرتي هي الّتي يهوى بكلّ كيانه حسبما يروى." هتفت فينوس* وقد استشاطت غضبا: "أبسيشيةَ حقّا مختلسةَ حسني ومنتحلةَ اسمي يهوى ابني؟ لا إخال هذا الولد إلاّ اعتبرني إحدى القوّادات تعرّف بدِلالتها على تلك الفتاة."

5-29 فينوس توبّخ ابنها

جمجمت بتلك الكلمات مغضبة وخرجت من البحر مسرعة؛ فقصدت لتوّها تختها الذّهبيّ، لتجد هناك ابنها سقيما كما قيل لها؛ زعقت من العتبة بأعلى صوتها: "أهذا تصرّف شريف يليق بنسبنا وبطيب أرومتك؟ بدءا تتجاهل تعليمات أمّك وسيّدتك، فلا تعذّب عدوّتي بهوى شائن وفق رغبتي. فوق ذلك تربط معها وأنت عيّل في مثل هذه السّنّ علاقة مبتسرة ماجنة لتفرض عليّ كما أرى عدوّتي كنّة. أتظنّ أيّها السّفيه النّكد المفسد، أنّك خلف السّلالة الأوحد، وأنّي مقلات لم أعد بسبب السّنين قادرة على إنجاب البنين؟ اعلم إذن أنّي أنوي إنجاب ولد آخر خير منك، بل سأتبنّى نكاية بك أحد خدمي عوضا عنك، وأمنحه هذين الجناحين وهذه الأقباس والقوس والسّهام وكلّ العدّة الّتي لم أعطك لهذه الغاية؛ فلا شيء منها قُدّم لك من ممتلكات والدك لتجهيزك.

5-3. وتقرّر معاقبته

الواقع أنّك كنت منذ نعومة أظفارك سيّء التّربية، لا تكفّ يداك عن الخمش والخدش، ولطالما آذيتَ بوقاحة من هم أكبر منك، حتّى أمّك، نعم حتّى أنا أيضا، تلاحقني يوميّا بمضايقاتك يا أعقّ البنين، ومرارا لم تتورّع عن ضربي، بل واضح أنّك تزدريني كأرملة ولا تخشى زوجي السّيّد البطل القرم. ويلك كم قدّمت له السّراري^ لإغاظتي! لكن لأجعلنّك تندم على عبثك وتتجرّع من زواجك العذاب غصصا^. لكن ماذا أفعل الآن وقد بتّ أضحوكة الجميع؟ وإلى أين أتوجّه؟ وكيف أسيطر على هذا الأفعوان؟ أأطلب العون من عدوّتي الرّزانة ( سوبريتاس) الّتي طالما أغظتُها بسبب فسقه هو نفسه؟ أيجب أن ألاقي تلك السّمجة؟ يا للقرف! لكن لا يجب الإعراض عن أسوة الثّأر أيّا كان مأتاها. لا بدّ لي أن ألجأ إليها هي دون سواها؛ فهي وحدها تستطيع إنزال أقسى العقاب بهذا السّفيه وإفراغ جعبته ونزع نصال سهامه وإرخاء قوسه وإطفاء مشعله وحتّى إرغام جسمه على أمرّ الأدوية. وسأعتبر أنّه كفّر عن إساءته لي لمّا تزيل شعره الّذي طالما لامسته بيديّ، ملقية عليه ذاك السّنا الذّهبيّ، وتجزّ ريشه الّذي صبغته من كوثر ثديي العسليّ^."

5-31 عتاب

قالت ذلك واندفعت خارج البيت ناقمة غضبى، في واحدة من السّورات الفينوسيّة^ فلقيتْها كيريس* ويونون* وإذ رأتا احتقان وجهها سألتاها لماذا تشوّه بتقطيب حاجبيها بمثل ذاك الاحتداد فتنة وسحر عينيها. ردّت: "أتيتما في الوقت المناسب لتعيناني على شفاء غلّ صدري: فابذلا أرجوكما قصارى جهدكما في البحث عن بسيشية الفارّة بل الطّائرة منّي؛ لا إخالكما تجهلان فضيحة أسرتي الّتي غدت على كلّ الألسن، ولا فعال ابني الّذي لا يستحقّ هذا الاسم منّي." كانتا على علم بما حدث، فحاولتا تهدئة غضبها الأهوج قائلتين: "أيّ سوء فعل ابنك أيّتها الإلهة حتّى تتصدّي بصرامة لرغبته، بل وتسعي بإصرار إلى إهلاك محبوبته؟ أأجرم إن راقت لعينيه غادة حسناء؟ أتجهلين أنّه بات شابّا بالغا، أم نسيت عمره ترى؟ أم يبدو لك دوما طفلا لأنّ السّنين لم تفقده طراءة الصّبا؟ أنت أمّ وامرأة عاقلة، فهل ستظلّين دوما تتجسّسين على لهو ابنك وتحاسبينه على نزق الشّباب، وتؤاخذينه على أفانين اللّهو واللّذّات الّتي ابتدعتها أنت بالذّات؟ ومَن من الآلهة أو البشر يرضى أن تنشري في الكون غواياتك بينما تضيّقين بنحو ممضّ على حبّ^ أهل بيتك، وتغلقين المعهد العامّ لتعليم خطايا حبّ الغواني؟" بهذا الدّفاع راحت الإلهتان تتملّقان كوبيدون* الفتّان في غيابه خشية سهامه؛ لكنّ فينوس* أدارت لهما قفاها، مستنكرة أخذ الإلهتين الأدنى منها مأخذ الهزل شكواها، وحاثّة إلى البحر خطاها.