أبوليوس

 

الحمار الذّهبيّ

 

الكتاب الرّابع

 

حواش

11

10

9

8

7

6

5

4

3

2

1

مقدّمة

 

4- الكتاب الرّابع

4-1 في المرعى

قرابة الزّوال ووهج الشّمس على أشدّه، نزلنا ببلدة عند عجوزين من أصحاب اللّصوص وخلصائهم. تشهد بذلك فعلا وقدر ما يتاح لحمار إدراكه حفاوة الاستقبال والمحادثة الطّويلة والقُبل المتبادلة. فقد أنزلوا من على ظهري بعض الأمتعة وقدّموها لهما وبوشوشات خفيّة بدوا كأنّهم يبيّنون لهما أنّها نصيبهما من غنائم سطوهم. ثمّ حملونا، بعدما رفعوا عنّا أحمالنا، إلى مرعى قريب لنرعى طلقاء أينما بدا لنا؛ فلم تستطع صحبتي كمؤاكل للحمار ولحصاني شدّي إلى الحشائش الّتي لم أعتدها حتّى ذلك اليوم في حميتي. لكنّي بصُرت قرب الإسطبل بحديقة دخلتها، وقد أهلكني الجوع، بخطوة واثقة؛ فأقبلت على الخضر رغم نيوءتها آكل منها بشاهية، وأجيل بصري في كلّ ناحية، مبتهلا إلى جميع الآلهة علّي أجد في الجنائن المجاورة مِوْردة تسطع متألّقة. كان خلوّ المكان ذاتُه يمنحني ثقة، إن تناولت بمنأى عن الطّريق ومخفى بالجنبات دوائي، فانتصبت مجدّدا بلا راء، قائما من وضع الدّابّة المحنيّ إلى وضع الإنسان السّويّ.

4-2 يا وردة سطعتْ ...وطاب أريجها

بينما أنا أتأرجح في بحر تلك الفِكر، بصُرت عن جُنُب بواد صغير تظلّله غابة غلباء، تتألّق بين أعشابه المتنوّعة وخضرته الضّاحكة ورود متلألئة حمراء. فأوحى إليّ فؤادي الّذي لم يتلبّد كفؤاد البهيمة أو يتبلّد بأنّه غاب مقدّس لفينوس* وربّات الرّواء* تشعّ بين جوانبه المنعزلة الكمداء وردة جذلى بسناها الملكيّ اللّألاء. فاستخرت إوَنتوس* الرّضيّ وليّ التّوفيق واندفعت في ركض محموم حتّى أحسستني بالتّحقيق، لا حمارا وحقّ الآلهة بل فرس سباق أُطلق بأقصى السّرعة. لكنّ روعة ذلك المجهود لم تغلب رعونة حظّي المنكود. إذ لم أر عند اقترابي من المكان ورودا طريّة، رائقة نديّة بقطرات الطّلّ ورحيق الآلهة، انبثقتْ بين الأشواك الجذلة الحالمة، ولا أيّ واد بل فقط ضفّة نهر محفوفة بكثير من الأشجار تحاكي بكثافة أوراقها شجيرات الغار، تتورّد أكمامها المديدة زهورا بلا شذا، يسمّيها العامّة بلغة الرّيف ورود الدّفلى، وهي سمّ لكلّ دابّة وردى.

4-3 مزايا الحِمية النّباتيّة

في غمار البلايا المتتالية بتّ أرفض حتّى حفظ سلامتي وأرغب عمدا في تناول تلك الزّهرة السّامّة. بينما أنا أدنو متردّدا لقطفها إذا بفتى هو كما يبدو صاحب الجنينة الّذي أتلفت له كلّ الخضار، يهرع بعدما علم بذلك الدّمار، مغضبا وحاملا هراوة غليظة، فيستلمني وينهال بها على كلّ بدني حتّى كاد يودي بحياتي، لولا أنّي بحكمة قدّمتُ العون لذاتي. رفعتُ قطَنيّ عاليا وأطلقت عليه بقائمتيّ الخلفيّتين^ وابلا من الرّمحات. ولمّا رأيتُه يثوي مهيضا على منحنى أكمة بجواري، خلّصتُ نفسي لائذا بالفرار. لكنّ امرأة، هي زوجته بلا جدل، رأته مجندلا وشبه ميّت من علٍ، فهبّت إليه مولولة بأسى في الحال، لتجعل رحمتها به وبالا عليّ حسبما بدا لي. إذ أثار نواحها كلّ الفلاّحين، فأطلقوا فورا كلابهم مغضبين، وراحوا يحمّشونها من كلّ ناحية لتمزّقني بوحشيّة. أشفيت على الموت حقّا وأنا أرى تلك الكلاب الضّخمة جثثا والكثيرة عددا والأنسب لعمري لقتال الدّببة والأُسْد تؤلَّب وتهيَّج ضدّي. فحزمت أمري للخطب وأقلعت عن الهرب وعدت أدراجي إلى المأوى حيث كنّا قد نزلنا. فمنعوا كلابهم عنّي بصعوبة ثمّ أمسكوني، وربطوني إلى حلْقة بسيْر متين وأخذوا من جديد يضربونني حتّى كادوا يقتلونني. لولا أنّ معدتي المتشنّجة من ألم ضرباتهم المبرّحة، والممتلئة بتلك الخضر النّيّئة، والمصابة بمُشاء وإسهال من فجاجتها، قذفت عبر المعي بمجاجتها، ففرّقتهم عن ظهري المختذَم، بعضهم برشاش ذلك السّرجين الوخِم، والآخرين بنتنه المغثي الزّخِم.

4-4 فرصة ذهبيّة

لمّا زالت الشّمس مع العصر، أخرجَنا اللّصوص من الإسطبل، مثقِلين ظهري أنا خصوصا بأرزن حمل. كنّا قد قطعنا شوطا معتبرا من الطّريق وقد هدّني طول المسافة وانقصم ظهري بثقل وِزري وأوهنتني لطعات العصيّ وتآكلت حوافري فصرت أظلع وأتعثّر في سيري. وفيما كنت أمشي حذو جدول تتثنّى مياهه رقراقة رقيقة، لقيت لحسن الحظّ فرصة دقيقة: فكّرت أن أبرك ثانيا بمهارة قوائمي ملقيا على الأرض بكلّ جسمي، مصمّما بإصرار على ألاّ أنهض مهما أشبعوني ضربا لمواصلة السّير، مستعدّا للموت من الضّرب لا بالعصا فقط بل حتّى بالسّيف. ففي تلك الحال من العجز والإرهاق، كنت واثقا من استحقاقي إجازة مرضيّة وأنّ اللّصوص لا شكّ سويّة، لنفاد صبرهم من التّأخير، وحرصهم على الإسراع في الفرار، سيفرّقون على الدّابّتين الأخريين ما على ظهري من الأوزار، ويتركونني شماتةً بي جزرَ الذّئاب والنّسور.

4-5 وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم

لكنّ القدر الخذول عرقل مشروعي الجميل؛ فقد حدس الحمارُ الآخر فكرتي وسبقني إلى تنفيذها، فهوى بكلّ ما عليه من الأحمال، متظاهرا بشدّة الإنهاك، وثوى كالميّت بلا حراك. ورغم ضربات العصيّ والنّخسات، وجذب ذيله وأذنيه وقوائمه إلى كلّ الجهات، رفض أن ينهض. حتّى أعيوا وقطعوا منه أخيرا رجاءهم، فتشاوروا وكيلا يؤخّروا فرارهم بِرهن أنفسهم على حمار مات بل تحجّر من زمان، وزّعوا أحماله عليّ وعلى الحصان، واستلّوا سيفا قطعوا به كلّ عراقيبه، ثمّ جرّوه قليلا عن الطّريق ودفعوه في الوادي القريب على جرفه السّحيق. فاتّعظت بمصير رفيقي التّعيس، وقرّرت أن أتخلّى عن الغشّ والتّدليس، وأُظهر نفسي لأسيادي حمارا على طريق الرّشاد. فقد فهمت من أحاديثهم أنّنا سنحطّ الرّحال بعد قليل، ونستريح بعدما بلغنا نهاية السّبيل، وأنّهم يتّخذون ذلك المكان لهم مقرّا ومقاما. وما لبثنا فعلا، بعد عبور مرتفع خفيف الصّعود، أن وصلنا إلى المكان المقصود؛ هناك وضعوا عنّا كلّ الأحمال، وأخفوها بالدّاخل، فرُحت حرّا من الأثقال أزيل تعبي بالتّمرّغ في الرّغام، بمثابة الاغتسال في الحمّام.

4-6 كهف اللّصوص

هنا بمقتضى الموضوع والظّرف أرى لزاما عرض وصف للموقع وللكهف الّذي يقطنه أولئك اللّصوص. فبذلك سأضع قريحتي على محكّ الاختبار، وأمكّنكم في الآن نفسه أن تقدّروا بالوجه الصّحيح إن كنت إذّاك حمارا أيضا بالذّهن والأفكار. كان جبلا كالحا تلقي عليه أغصان الغابات الملتفّة ظلالا داكنة ويرتفع شاهقا بين أعلى الجبال؛ وعلى منحدره الوعر الّذي تكتنفه صخور ناتئة يتعذّر بلوغها، تتناثر أودية مخدّدة ومجوّفة، مرقّشة بغياض كثيرة، تحيط به من كلّ جوانبه، مشكّلة تحصينا طبيعيّا. ومن قمّته يتدفٌّق سيل عارم مدردرا متوثّبا على المنحدرات، متقيّئا لججه الفضّيّة، ثمّ يتفرّق إلى عدّة جداول، ناشرا حشدا من الأضى بين تلك الوهاد، ويحتصرها بما يشبه بحرا طاميا أو خنادق مياه راكدة. هناك، على شفا الجبل، ينتصب حصن الكهف المنيع؛ ويحمي القلعة العتيدة المناسبة كحظيرة للأغنام، سياج من حواجز متينة ممتدّة على كلّ الجوانب أمام مدخل ممشى ضيّق يشبه سورا مبنيّا. أراهن بكلّ ثقة أنّك لو رأيتَه لقلتَ ذاك مخبأ لصوص. ولا شيء إلى جانبه سوى كوخ صغير مغطّى كيفما اتّفق بخوص متشابك، يراقب منه في كلّ اللّيالي، كما اكتشفت لاحقا، عسس يعيّنون بالقرعة من بين اللّصوص.

4-7 اللّصوص في المغارة

هناك نزلوا لواذا زاحفين حازقين أطرافهم بعدما ربطونا بحبل متين أمام المدخل رأسا. ثمّ نادوا بغلظة عجوزا فانية حناها عبء السّنين وُكِلت إليها وحدها كما يبدو سلامة وخدمة كلّ ذلك العدد من الفتيان. "تبّا لك يا غثاءة القبر وثفالة الحياة، يا حثالةً يعافها أركوس* دون العالَمين، هكذا تعيشين في البيت عاطلة كسلى ولا تقدّمين لنا ما يؤسينا عن أعمالنا الخطيرة الجلّى إذ نأخذ أخيرا قسطا من الرّاحة. وأنتِ لا همّ لك ليل نهار سوى قذف الخمر في أتون جوفك الرّهيب." ردّت العجوز مرتجفة وبصوت فيه تهيّب وصغار: "رويدكم يا فتيتي أبسل الأبطال، وأولياء نعمتي دائمي الأفضال، ها قد أعددت لكم أطباقا شهيّة حافلة بشتّى أصناف الطّبيخ، وخبزا وفيرا، وملأت الأكواب خمرا بعدما غسلتها وفركتها بفائق العناية، وحضّرت ماء ساخنا لحمّامكم السّريع المعتاد." ما إن أنهت كلامها حتّى نزعوا ثيابهم، فأنعشوا أبدانهم التّعبى بالبخار المتصاعد من على نار ذات لهب، واغتسلوا بالماء السّاخن، وادّهنوا بالزّيت ثمّ اتّكؤوا أمام موائد عجّت بما لذّ وطاب.

4-8 فروع اللّصوصيّة

ما إن اتّكؤوا حتّى قدم شبّان آخرون أكثر عددا، يمكن الحكم بدون تردّد بأنّهم لصوص مثلهم. إذ كانوا يحملون مثلهم غنائم متنوّعة: نقودا وأواني ذهبيّة وفضّيّة وكساء من حرير موشّى بخيوط الذّهب. فأنعشوا أجسامهم كالأوائل بحمّام ساخن، ثمّ جلسوا بين أرائك رفاقهم؛ واختير بالقرعة بعضهم للخدمة. فأكلوا وشربوا بلا لياقة ولا اعتدال مزدردين الطّبيخ أكداسا والخبز أكواما وأكواب الخمر صفّا صفّا. وتفكّهوا في لغط، وغنّوا في صخب، وتعالت فكاهاتهم الفجّة وعربداتهم الفاحشة القريبة من مجون اللاّبثيّين* أشباه الوحوش أو القناطير* أشباه البشر؛ ثمّ انبرى أحدهم، يبدو الأقوى بينهم. "داهمنا اللّيلة بيت ميلون الهيباتيّ؛ وفضلا عمّا غنمنا بفضل شجاعتنا من ثروات طائلة، عدنا إلى قلعتنا بكامل عددنا، بل، إن كان يجدر ذكر ذلك، بزيادة ثماني أرجل. أمّا أنتم الّذين قصدتم مدن بيوتية*، فعدتم بعدد منقوص بفقدان قائدكم المقدام لاماخوس* الّذي أفدي حياته، كما هو أهل له، بكلّ هذه الغنائم الّتي جلبتم. لكنّ فرط شجاعته هو الّذي أورده الرّدى؛ ولتخلّدنّ الأيّام ذكرى ذلكم البطل بين مشاهير الملوك وقادة الحروب. أمّا أنتم، فلستم سوى سرَقة شطّار تتسلّلون متخفّين ومتخوّفين إلى الحمّامات وغرف العجائز، فتنهبون ما تقع عليه أيديكم في عمليّات اختلاس صغيرة تليق بالخدم والعبيد."

4-9 غنيمة سهلة

ردّ واحد من الفريق الأخير: "أتراك دون الجميع تجهل أنّ أكبر البيوت أسهلها اقتحاما؟ فلئن كان عديد من الخدم يقطنون البيت الكبير، إلاّ أنّ همّ كلّ منهم النّجاة بجلده قبل ثروات سيّده. بينما يذود الأشخاص الحريصون الّذين يعيشون بمفردهم ببسالة عن ثروتهم الصّغيرة، بل وربّما الكبيرة، والّتي أتقنوا إخفاءها^ ويبذلون دماءهم فداءها؛ مصداق قولي ما حدث لنا نحن أنفسنا. حالما وصلنا طيبة* ذات الأبواب السّبعة، شرعنا في الاستخبار بدقّة عن ثروات المواطنين، فذلك أوّل متطلّبات مهنتنا. فعلمنا بصيرفيّ صاحب أموال طائلة يدعى خريصروس*، يخفي بأفانين من الدّهاء ثروته الواسعة تهرّبا من الأعباء والفروض العامّة. فكان يعيش منفردا ومنطويا^ في بيت صغير لكن حسن التّحصين، راضيا بعيشه ذاك، مرتديا أسمالا رثّة، مقتّرا بنحو مزر، حاضنا أكياس الذّهب. فرأينا أن يكون أوّل من نغشى، مستصغرين مقاومة يد واحدة، ومستسهلين الاستحواذ على أمواله.

4-10 القوّة والحيلة

بادرنا منذ بداية اللّيل بالتّربّص أمام بابه الّذي لم نستصوب شيله أو خلعه أو فتحه عنوة، مخافة أن تؤلّب علينا قرقعة مصراعيه الجيران. ما كان إذّاك من زعيمنا العظيم لماخوس إلاّ أن عمد بثقة في شجاعته المشهودة إلى إيلاج يده بالتّدريج إلى ثقب القفل المفسح لإيلاج المفتاح وراح يحاول سحب المزلاج. لكنّ خريصوس، شرّ من دبّ على قدمين حقّا، كان يرقب يقظا كلّ حركاتنا منذ فترة فتسلّل الهوينى ملازما صمتا تامّا، وبمسمار غليظ ثبّت فجأة وبكلّ قواه يد قائدنا على فردة الباب. وتركه مشدودا بقيده المردي وصعد إلى سطح الدّار فأخذ يصيح بأعلى صوته مستنفرا جيرانه، داعيا كلاّ باسمه، منذرا بالخطر على سلامة الجميع، مدّعيا أنّ حريقا شبّ فجأة في بيته؛ فهبّ الجميع لنجدته, مذعورين من الخطر الدّاهم.

4-11 أشدّ من السّقم الذي أذهب السّقم

وجدنا أنفسنا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا أن يداهمونا وإمّا أن نتخلّى عن رفيقنا؛ فارتأينا برضاه مَخرجا ناجعا من مأزقنا الطّارئ. سدّدنا بدقّة لعضو زعيمنا الواصل بين اليد والعضد ضربة على مستوى المفصل الأوسط^ فصلت ذراعه؛ فتركناها هناك وضمّدنا الجرح بقطع من القماش كيلا تكشف أثرنا قطرات الدّم، وانسحبنا سراعا، حاملين ما بقي من لماخوس. وبينما كان الضّجيج المتعالي يستحثّنا في قلقنا على صاحبنا، والخوف من الخطر المقترب يدفعنا إلى الفرار في هلع، لم يستطع ذلك الرّجل ذو الهمّة العالية والشّجاعة الفذّة مسايرتنا ولا التّخلّف عنّا بأمان، فمضى يطلب منّا بعديد الخطب وعديد التّوسّلات، ويناشدنا بيمين مارس* وبحرمة ميثاقنا، أن نخلّص من العذاب والأسر معا رفيقا مخلصا. إذ ما جدوى إبقاء لصّ باسل بعد فقدان يده التي هي وحدها القادرة على السّلب والقتل؟ وإنّه لسعيد بالموت برضاه على أيدي رفاقه. لمّا عجز عن إقناع أيّ منّا بالإجهاز عليه بإرادته، أخذ باليد المتبقّية سيفه وعانقه طويلا، ثمّ شكّ بطعنة صمّاء صدره في الوسط. فحيّينا بإجلال شهامة زعيمنا الهمام ولففنا بعناية بقيّة جسمه في لحاف من الكتّان، وألقينا به إلى البحر حيث يثوي الآن، متّخذا عنصرا بأكمله لحدا.

4-12 الرّأي قبل شجاعة الشّجعان

هكذا وضع حدّا لحياته يليق فعلا بمناقبه. أمّا رفيقنا ألكيموس*، فلم يستطع بخططه الذّكيّة أن يجلب لصفّه مشيئة الحظّ الغشوم. اقتحم دويرة عجوز أثناء نومها وصعد إلى الغرفة العليا، وكان الأوْلى به أن يعصر عنقها فيكتم أنفاسها، لكنّه فضّل البدء بإنزال الأمتعة واحدا تلو آخر من شبّاك واسع إلينا في الخارج لنحملها طبعا. ولمّا انتهى تماما من ترحيل الأثاث، أبى أن يعفّ حتّى عن مفرش العجوز الغارقة في النّوم؛ فدحرجها من فوقه وسحب الحشيّة بنيّة إنزالها بنفس الطّريقة. فجثت الماكرة على ركبتيها مستعطفة: "قل يا بنيّ، لِم تعطي أسمال وأسقاط عجوز بائسة لجيرانها الأثرياء الّذين تطلّ هذه النّافذة على بيتهم؟" خدعه كلامها الممتلئ مكرا ودهاء وبات واثقا من خطئه، فخشي طبعا إلقاء ما بعث سابقا وما ينوي بعثه لاحقا لا إلى شركائه، بل إلى بيت الجيران. فاعتلى النّافذة وتعلّق بها، ملقيا نظرة متفحّصة حواليه، سيما على البيت المحاذي ليطّلع على الثّروات الّتي زعمتْ. ففيما هو يحاول ذلك، بعزم لا شكّ لكن بدون احتراس، ألقت به العجوز الماكرة، بدفعة ضعيفة لا محالة لكن مباغتة وغير منتظَرة، وهو يحملق غير مستقرّ شارد اللّبّ. وفضلا عن سقوطه من مثل ذلك العلوّ الشّاهق، وقع على صخرة مذبّبة ملقاة قريبا؛ فاندقّ صدره وتهشّمت ضلوعه وروى لنا ما حدث وهو ينفث من فمه أسرية من الدّم؛ وفارق الحياة دون أن يطول عذابه. إذّاك حملناه لدفنه بالطّريقة السّالفة وأعطيناه لماخوس خير رديف.

4-13 انسحاب المنتصرين

بعدما أصابتنا هذه الخسارة المثنّاة بضربة قاصمة، تخلّينا عن محاولاتنا في طيبة*وقصدنا بلاتية* القريبة. هناك تناهت إلى أسماعنا شهرة رجل يدعى ديموخريص* على وشك تقديم عرض مجالدين؛ وقد دأب هذا الرّجل كريم المحتد والمتميّز بسعة ثرائه وسخائه على إتحاف الشّعب بفخامة عروضه اللّائقة بثروته. من يستطيع فعلا، مهما بلغ من النّباهة والفصاحة أن يصف بكلمات مناسبة شتّى أوجه إعداداته المعقّدة؟ هؤلاء مجالدون مشهورون بقوّتهم، وهؤلاء مصارعو وحوش مشهود ببراعتهم، وأولئك مجرمون يوفّرون بوجباتهم، في أمَنة الهلاك المحقّق^، غذاء لتسمين السّباع. وتلك محالة برج مركّب من ألواح مجمّعة ومترابطة على شاكلة بيت متنقّل، مزدان برسوم زاهية الألوان، محلّ مشهد الصّيد الموعود. أمّا عن تشكيلة السّباع، عددها وأنواعها، فحدّث ولا حرج: فقد جلب بفائق الحرص من الخارج قوافل من تلك المثاوي الكريمة للمحكوم عليهم بالإعدام. لكنّه بجانب بقيّة التّجهيزات لعرضه الرّائع، سخّر كلّ ثروته خاصّة لاقتناء مجموعة كبيرة من الدّببة الضّخمة. بعضها صاده عبيده، وبعضا اشترى بالجملة، وحصل على أخرى من أصدقائه المتبارين في إتحافه بمثل هذه الهدايا؛ وكان يعتني بتغذيتها وينفق عليها دون حساب.

4-14 خطّة ذكيّة

لكنّه لم ينج، لشهرته والتّحضيرات الباذخة لعرضه الجماهيريّ الشّيّق، من عيون الحسد المَريدة. فقد ملّت تلك الوحوش أسرها الطّويل، وصهرها في نفس الوقت قيظ الصّيف، وأضرّ بجسمها طول الجمام، فأصيبت بوباء مفاجئ قلّص عددها إلى لا شيء تقريبا. فكنت ترى جثث تلك السّباع المحتضرة متناثرة هنا وهناك على السّاحات العامّة؛ وما لبث الرّعاع الّذين اضطرّهم شظف العيش إلى البحث بغير انتقاء عن أغذية إضافيّة ولو غير صحّيّة وأطعمة مجّانيّة أن هرعوا إلى تلك المآكل الملقاة في كلّ الأماكن. فاستوحينا، أنا وإيبولوس* هذا، من ذلك الوضع الطّارئ، فكرة ذكيّة. حملنا إلى مخبئنا واحدا من تلك الدّببة، هو أضخمها قواما، كما لو كنّا نريد إعداده لنا طعاما. فسلخنا جلده عن لحمه بإتقان، محافظين بمهارة على مخالبه، وعلى رأسه إلى حدّ العنق، وكشطنا الجلد جيّدا وذررنا عليه رمادا ناعما لدبغه ثمّ نشرناه للشّمس لتجفيفه. وفي انتظار تيبّسه بوهج الشّمس أقبلنا بهمّة على اللّحم خضفا وقصفا، ثمّ وضعنا هذه الخطّة للحملة القادمة. أن يتطوّع أحدنا، لا الأقوى جسما بل الأمضى عزما، لتقمّص جلد الدّبّ والتّنكّر في تلك الهيئة، فنُدخله تحت جنح الظّلام إلى بيت ديموخريص ليؤمّن لنا الدّخول بسهولة.

4-15 البطل

أثار مثال البطل الكيّس تنافسا بين عدّة رفاق من الفريق لأداء المهمّة. فانتُقي من بينهم باختيار كلّ الفريق ثراسليون*، فتقدّم مجازفا بإنجاز ذاك التّمويه الخطير، واختفى طلق المحيّا داخل الجلد الّذي اكتسب مرونة ولدانة. إذّاك طابقنا بخياطة دقيقة طرفيه، وغطّينا شقّ ملتقاهما الدّقيق بالوبر الكثّ المتلبّد حواليه. وبشيء من العسف حشرنا رأس ثراسليون بأعلى النّحر حيث حُزّ عنق الوحش. وأحدثنا حول أنفه وعينيه ثقوبا صغيرة للتّنفّس والنّظر وحشرنا برفيقنا الصّنديد، وقد حوّله التّنكّر إلى دبّ بالتّأكيد، وسط قفص اشتريناه بسعر زهيد؛ فانسلّ داخله بعزم وخفّة. بعد إنجاز الإعدادات بذلك الشّكل، واصلنا بقيّة عمليّات التّزييف كما يلي.

4-16 هديّة معتبرة

استخبرنا عن رجل من تراقية* يدعى نيقانور*، تربطه بديموخريص صداقة حميمة، فاختلقنا رسالة تنبئه افتراء أنّ صديقه الودود يهديه بواكير صيده لتجهيز عرضه. ولمّا تقدّم المساء، اغتنمنا ستر الظّلام لنقدّم لديموخريص قفص ثراسيليون والرّسالة المدلّسة. فمن إعجابه بضخامة الوحش وفرحه بعطيّة صديقه الّتي أتت في الوقت المناسب أمر بأن تُصرف لنا فورا من خزانته عشرة مثاقيل ذهبيّة كانت إذّاك بحوزته، كحلوان لحاملي التّحفة سبب فرحته. وكما يدفع حبّ الجدّة النّاس إلى كلّ مستحدث، توافد على الوحش عديد المعجبين؛ وكان ثراسيليون يذبّ الفضوليّين منهم بهجماته المتوعّدة المتكرّرة. أشاد المواطنون بديموخريص مجمعين على أنّه سعيد ومحظوظ، فبعد كارثة نفوق وحوشه صمد بنحو ما بهذا الرِّفد الجديد أمام الحظّ^؛ وأمر بنقل الدّبّ فورا وبعناية إلى أراض مخصّصة لثروته الحيوانيّة؛ فرددت:

4-17 إنقاذ الموقف

"حذار يا مولاي أن تضمّ هذا الدّبّ المنهك من حرّ الشّمس وطول الطّريق إلى مجمع وحوشك العديدة والعليلة على ما يقال. لِم لا توفّر له بالأحرى مكانا واسعا ومهوّءا ببيتك، بجوار الماء والكلإ وفي جوّ منعش؟ ألا تعلم أنّ هذا النّوع من الحيوانات يسكن دوما الحراج المغلولبة والمغاور الرّطبة والجداول العذبة؟" أثارت هذه التّحذيرات مخاوف ديموخريص، واستعرض في نفسه ما مُني به من خسائر، فوافق بدون ممانعة، وأذن لنا بوضع القفص أينما أعجبنا. قلت: "إنّا مستعدّان لقضاء اللّيالي واقفين أمام القفص، لنقدّم لهذا الحيوان المتعَب من الحرّ والمضايقات والحركة طعامه وشرابه في الميعاد بدقّة وانتظام." فأجاب: "لا نحتاج البتّة إلى تجشيمكما هذه المشقّة، فكلّ الخدم تقريبا مدرَّبون بحكم طول الممارسة على تغذية الدّببة."

4-18 عمليّة سطو مرتّبة

ودّعنا وغادرنا فرأينا، عند خروجنا من باب المدينة، مقبرة تقع في مكان منعزل ناء عن الطّريق. فتحنا هناك عشوائيّا بعض التّوابيت النّخرة الّتي لا تكاد، من القِدم والبِلى، تغطّي ما بداخلها، يسكنها موتى استحالوا غبارا ورمادا، لنجعل منها مخابئ لغنائمنا مستقبلا. تحرّينا من اللّيل، وفق أصول الحرفة، فترة أفول القمر، لمّا يتغشّي النّوم من أوّل كرّة قلوب البشر؛ فامتشقت كتيبتنا السّيوف واتّخذت أمام باب ديموخريص مواقعها حسب خطّة السّطو الموضوعة لها. ولم يشذّ عنّا ثراسيليون: هو أيضا آنس من اللّيل اللّحظة المواتية للسّرقة واندفع خارج القفص، فأعمل سيفه في كلّ العسس المضطجعين في سبات بقريه ثمّ في البوّاب نفسه. واستلّ منه المفتاح وفتح لنا الباب على مصراعيه؛ فاندفعنا إلى داخل البيت حيث استقبلنا ودلّنا على مخزن رأى المساء، بفطنة اللّصّ الأريب، كثيرا من الورِق يودَع فيه. في الحال شددنا على الباب شدّة رجل واحد فاقتحمناه؛ فأوعزت لرفاقي أن يحمل كلّ من الذّهب والفضّة على قدر طاقته، فيخفيه بعجل في بيت الموتى الأمناء، ثمّ يعود بسرعة لتهريب شحنة أخرى؛ بينما أبقى وحدي واقفا على عتبة البيت أرقب بانتباه كلّ ما يطرأ إلى حين إيابهم؛ وكان يبدو لي أنّ مشهد دبّ يذرع صحن الدّار كفيل بإلقاء الرّعب في أيّ من الخدم يستيقظ صدفة. ومن بالفعل، وبالأخصّ في اللّيل، مهما بلغ من الإقدام والعزم، لا يندفع لمرأى وحش بذلك الحجم، إلى الفرار على الفور، وإيصاد غرفته لينزوي فيها مرتجفا من الذّعر؟

4-19 إذا تمّ شيء بدا نقصه

لكن، رغم اتّخاذنا كلّ هذه التّراتيب السّديدة، حدث ما أفسد خطّتنا: بينما أنا أنتظر قلقا عودة رفاقي، أيقظ الضّجيج، بمشيئة الآلهة على الأرجح، أحد الخدم فتسلّل الهوينى. ولمّا رأى الوحش يذرع فناء الدّار جيئة وذهابا، عاد أدراجه ملازما الصّمت، وأخبر بما رأى كلّ من في الدّار، كيفما استطاع. في الحال امتلأ الفناء بعديد الخدم، وأنارت الظلمةَ المشاعل والشّموع والقناديل وشتّى وسائل الإضاءة. لم يأتوا عزّلا، بل تقدّموا شاهرين كلّهم عصيّا وقسيّا وممتشقين سيوفا لحراسة المنافذ. وأطلقوا كلاب الصّيد للتّحكّم في الدّبّ فتألّبت وقد انتصبت آذانها وقفّ شعرها.

4-20 بين شدقيْ كروبروس

أخذت إذّاك، وسط الضّجيج المتزايد، في التّراجع رويدا رويدا وبارحت البيت؛ لكنّي شاهدت جيّدا من مخبئي خلف الباب، ثراسيليون يقاوم الكلاب ببسالة عجيبة. فرغم أنّه كان على حافّة الحياة القصوى، لم ينس بسالته وبسالتنا السّالفة، وتصدّى مستميتا لأشداق كربروس* المكشّرة لنهشه. تمسّك بدوره الاختياريّ وبصمته؛ وظلّ يراوغ متقهقرا كرّة ومقاوما كرّة بحركات وتكشيرات شتّى، حتّى انسلّ أخيرا خارج البيت؛ لكن، رغم فوزه بحرّية الطّريق العامّ، لم يستطع أن ينشد النّجاة بالفرار. فقد انضمّت كلّ كلاب الزّقاق المجاور الرّهيبة ضراوة وعددا جحافل تلو أخرى إلى كلاب الصّيد التي كانت في ذلك الوقت تحديدا قد خرجت تتعقّبه مثلها. شاهدت إذّاك منظرا مؤثّرا وفظيعا، منظر أخينا ثراسيليون مطوّقا ومحاصرا بجيوش من الكلاب الضّارية وممزّقا بنهشاتها المتتالية. لم أتحمّل ذلك المشهد المؤلم فاختلطت بالجماهير المتجمّعين حول مسرح الأحداث، ولم أجد وسيلة لإنقاذ رفيقي دون افتضاح أمرنا، سوى الإهابة بسوّاس الكلاب: "يا للفضيحة العظيمة! أن نضيع حيوانا هائلا بمثل تلك القيمة!"

4-21 مصرع البطل

غير أنّ حيلي الخطابيّة لم تجد المنكود نفعا؛ إذ هبّ من البيت فتى فارع الطّول متين البنية، وبدون تردّد، غرس رمحه في صدر الدّبّ، وتبعه آخر ثمّ سرعان ما اجتمع عليه حشد، وقد ذهب الخوف عنهم، متنافسين على إثخانه من قريب بطعنات سيوفهم المتلاحمة. هكذا ظلّ ثراسيليون زين فريقنا السّاطع متجلّدا بنحو لا مثيل له، حتّى أُزهقتْ أخيرا روحه الجديرة بالخلود دون أن يخون بصرخة أو توجّع عهدنا المقدّس، ^ متحمّلا حتّى وقد خرّقته النّهشات ومزّقته السّيوف بلاءه الحاضر دون أن يَصدر عنه سوى دمدمة وتململ كما تفعل الوحوش، فسلّم حياته لمصيرها المحتوم محتفظا لنفسه بمجد سرمديّ^. وقد قذف في قلوب المحتشدين الرّعب،إلى درجة أنّ أحدا لم يجرؤ على مسّ الوحش، حتّى وهو ملقى على الأرض، ولو بإصبعه إلى مطلع الفجر بل حتّى وضح الضّحى. أخيرا تقدّم جزّار أشجع من الباقين شيئا ما بوجل وتردّد، فبقر بطن الوحش وسلخ من الدّبّ اللّصّ العظيم. هكذا مات رفيقنا ثراسيليون هو الآخر، لكن ما مات غيرَ مجيد؛ فجمعنا في الحال أكياسنا الّتي حفظها لنا الموتى الأمناء، وارتحلنا عن بلاتية* حاثّين خطواتنا، متفكّرين طويلا في قرارة ذاتنا أنّا لسبب وجيه لا نجد للأمانة أثرا في حياتنا، فقد هجرتنا كارهة غدرنا إلى الموتى وأرواحهم. هكذا عدنا منهكين من ثقل الأحمال ووعثاء الطّريق بنقص ثلاثة من رفاقنا وجلبنا الغنائم الّتي ترون هنا."

4-22 حملة جديدة

بعد انتهاء التّقرير، شربوا على نخب رفاقهم الفقيدين خمرا أصيلة في أكواب من الذّهب، وغنّوا بعض الأناشيد للإله مارس*، ثمّ غفوا في نشوة خفيفة. أمّا نحن، فأعطتنا العجوز من شعير الحول الطّريّ بسخاء وبلا كيل، حتّى ظنّ حصاني أمام كلّ تلك الخيرات الّتي هي له وحده لا شريك له فيها، أنّه يحضر مأدبة للسّاليّين*. أمّا أنا الّذي ما اعتدت الشّعير إلاّ دقيقا منخّلا وطُباخة خاثرة من طول الغليان، فعثرت في إحدى الزّوايا على بقايا خبز مكدَّسة، أعملت فيها بعزم بلعومي الموهن من طول الصّيام، بل المفروش بخيوط العنكبوت. فجأة أفاق اللّصوص وقد تقدّم اللّيل، واستعدّوا للرّحيل، مجهّزين أنفسهم بشتّى العُدد والعتاد، فحمل البعض سيوفا، وتنكّر آخرون في أزياء الأرواح الهائمة، وانصرفوا يحثّون الخطى. من جهتي انصرفت إلى القضم والجرش بعزم لم يفلّه حتّى النّعاس الّذي بدأ يداهمني. فرغم أنّي اعتدتُ زمان كنتُ لوقيوس أن أرفع يدي عن الطّعام بعد الكسرة والكسرتين، مضيتُ، وقد دُهيتُ بهذا الكرش السّحيق أخدمه، في جرش السّلّة الثّالثة؛ وباغتني وأنا منهمك في هذا العمل مطلع النّهار.

4-23 الرّهينة

فانصرفت عنه على مضض يحدوني تعفّف الحمير وأطفأت عطشي في جدول قريب. وما لبث اللّصوص أن عادوا متكدّرين ومنشغلين؛ لم يجلبوا معهم كيسا واحدا ولا حتّى أبخس لباس، بل فقط بسيوفهم وبكلّ قواهم وكلّ أفراد طاقمهم، فتاةً كريمة الأصل تنتمي بالتّحقيق، كما تنمّ عنه هيئتها، إلى علية القوم في تلك المنطقة، فتاة يشتهيها لعمري حتّى حمار مثلي، وهي تنتحب وتمزّق شعرها وثوبها. قالوا لها لمّا أدخلوها المغارة مهوّنين عليها: "أنت هنا بأمان على عرضك وحياتك، فامنحينا قليلا من أناتك لنتدبّر رزقنا، فإنّما اضطرّنا إلى هذه الحرفة فقرنا. ولا شكّ أنّ أبويك مهما بلغا من الشّحّ سيُحضران قريبا من بحر ثرواتهما فدية دمهما."

4-24 شكوى السّبيّة

لم تسكّن هذه التّخاريف وما شابهها روع الفتاة؛ ولا غرو فقد وضعتْ رأسها بين ركبتيها وانخرطت في البكاء دون اعتدال. فدعوا العجوز من داخل الكهف وطلبوا منها الجلوس بجانبها ومؤاساتها قدر الإمكان بعذب الأحاديث؛ ثمّ عادوا إلى أعمال جماعتهم المعتادة^. لكن لم تستطع أقوال العجوز ثني الفتاة عن مواصلة البكاء بل علا نحيبها وزاد شهيقها وانهزّت منه ضلوعها فهَما دمعي تأثّرا لها. مضت تقول باكية: "يا لشقائي، أُفردتُ من بيت عزّ ومن بين طاقم الخدم والحشم الأحبّة ومن بين أبويّ وأهلي الأجلّة، وها أنا ضحيّة اختطاف مشؤوم سبيّة ومعتقلة في هذا السّجن الصّخريّ، محرومة من كلّ النّعم التي وُلدت وترعرعتُ فيها مهدّدة في حياتي وجزْرا لهؤلاء اللّصوص وهذه العصابة الرّهيبة من السّفّاحين، فكيف لي بالكفّ عن البكاء بل حتّى بمواصلة العيش؟" استمرّت هكذا في شكواها حتّى أعياها أسى روحها والتهاب حلقها وإرهاق جسمها فأسلمت للنّوم عينيها الذّاويتين.

4-25 العجوز تزجر الأسيرة

لكنّها لم تنم مدّة إذ صحت فجأة من غفوتها كأنّ بها جِنّة، فبدأت تتفجّع بقوّة مضاعفة، قارعة صدرها بشدّة ولاطمة وجهها الوضّاء بلوعة. ولمّا سألتها العجوز بإلحاح عن أسباب أساها الجديد والمُعاد، تنهّدت من الأعماق وقالت: "أوّاه، الآن أيقنت من هلكتي وقنطت من النّجاة؛ ولم يعد أمامي حقًّا سوى الحبل أو السّيف أو إلقاء نفسي من شفا الجبل." غضبت العجوز وسألتها بحدّة لِماذا تبّاً عادت إلى البكاء والشّكوى بمثل هذه الغلواء بعد نومتها الهادئة. وقالت: "لعلّك تنوين حرمان فتيتي من فديتك الباهظة؟ لئن واصلت لأتدبّرنّ لتُحرقي حيّة فضلا عن عذاب تلك الدّموع الّتي يستخفّ بها خاطفوك^."

4-26 قصّة الأسيرة

أثار هذا الوعيد فزع الفتاة، فأخذت تقبّل يديها قائلة: "عفوا يا أميمتي، انظري بقليل من الحلم والرّحمة إلى محنتي العصيبة. فما إخالك بسبب كبر سنّك الّذي أنضجك فقدتِ في مشيبك الموقّر كلّ أثر للرّأفة؛ انظري لتعذري إلى مشهد نكبتي. اعلمي أنّ شابّا وسيما تميّز بين لداته واعتبرته المدينة ابنها بإجماع المواطنين، وهو فضلا عن ذلك ابن عمّي ويكبرني بثلاث سنين، تربّى وترعرع معي في علاقة ودّ حميمة منذ الصّبا الغرير، في نفس البيت، بل نفس الغرفة، وعلى نفس السّرير؛ ثمّ جمعنا رباط الحبّ المقدّس في شبابنا؛ خطبني وقرّر مؤخّرا عقد قراننا برضا أهلنا، وأعلن زواجنا بعقد رسميّ؛ فسار يوم العرس يتوسّط موكب الأقارب والأصهار وراح يقدّم الذّبائح في الهياكل والمعابد العموميّة؛ وعلتْ في البيت المزدان بأغصان الغار والمتلألئ بأضواء المشاعل أهازيج الزّفّة. ضمّتني أمّي بتأثّر إلى صدرها وأخذت تسوّي لي زينة زفافي، وبعدما غمرتني بقبلها العذاب مضتْ تعزّز بدعواتها الحارّة أمل الذّرّيّة الّذي بات قريب المنال. وإذا بجماعة مسلّحين يقتحمون علينا البيت فجأة، ووجوههم تتلهّب بوحشيّة البطش وسيوفهم المجرّدة تومض منذرة بالويل؛ فلم يمدّوا أيديهم لقتل أو سرقة، بل في الحال انقضّوا صفّا متراصّا على مخدعنا. وبدون أيّ دفاع ولا أدنى مقاومة من الأهل والخدم أخذوني من حضن أمّي وأنا أرتجف بائسة من الفزع. هكذا تشوّش حفل زفافنا وتفرّق كما حدث لأتّيس* أو برُتسِلاس*.

4-27 كابوس مفزع

وقد أعاد إليّ السّاعةَ ذكرى مصابي بل ضاعف بؤسي حلم مريع. رأيتُني أُنتزع عنوة من بيتي، بل من غرفتي ومخدعي وأستغيث منادية في الفلوات النّائية زوجي المنكود. ورأيتُه قد هبّ حالما حُرم عناقي وهو لا يزال مضمّخا بالطّيب ومزدانا بأكاليل الزّهور يقتفي أثري حيثما تحملني أقدام خاطفيّ. وأخذ يشكو للشّعب خطف زوجته الجميلة ويستنصره، فانزعج من ملاحقته أحد اللّصوص والتقط من أمام قدميه حجرا كبيرا ضرب به زوجي الشابّ التّعيس فأرداه؛ روّعني المشهد فأفقت فزعة من نومي المشؤوم." إذّاك قالت العجوز وقد تأثّرت لبكائها: "هوّني عليك يا سيّدتي ولا ترتاعي من أضغاث أحلام، فرؤى النّهار حسب كلّ العارفين كاذبة بل حتّى أحلام اللّيل قد تنبئ بعكس الواقع. فالبكاء والتّعرّض للضّرب أو القتل أحيانا بشائر خير وغُنم. بينما الضّحك وملء البطن بشهيّ الحلويّات والاستمتاع بلذّة الجماع نذُر ترح للرّوح وسقم للجسد وغير ذلك من البلايا. لكن أرجو أن أطيّب خاطرك حالا ببعض القصص الشِيّقة وحكايات العجائز"؛ وأنشأت تقول:

4-28 حكاية العجوز: جمال ربّانيّ

"كان في قديم الزّمان بإحدى المدن ملك وملكة رُزقا ثلاث بنات رائعات الجمال. لكنّ الكبريين وإن كانتا لا محالة على جمال بديع يُعتقد أنّ بوسع كلام البشر الإشادة بحسنهما بنحو مناسب. أمّا بهاء الصّغرى الباهر الفائق فتقصر لغة البشر حقّا عن وصفه والإشادة به بنحو كاف. فكان كثير من المواطنين والأغراب الّذين حشدتهم بأعداد هائلة شهرة ذلك المشهد الفائق البديع يقفون مشدوهين إكبارا لحسنها الفائق كلّ حسن ويضعون أيمانهم أمام أفواههم جامعين الخنصر بإبهامهم المرفوع كما يفعلون إجلالا للإلهة فينوس* نفسها. وقد شاع في المدن القريبة والمناطق المتاخمة أنّ الإلهة الّتي تمخّضت بها لجّة البحر الفيروزيّة، وأخرجها ندى أمواجه المزبدة، تخلّت عن عظمة الألوهة بغير خطّة واختلطتْ بعامّة الشّعب؛ بل إنّ فينوس* أخرى تزينها زهرة البكارة، وُلدت، لا في خضمّ البحار، بل على الأرض من بذرة جديدة من منّ السّماء.

4-29 خلط شنيع

هكذا انتشر في أيّام معدودات هذا الاعتقاد على أوسع نطاق، واكتسح الجزائر القريبة وكثيرا من الأراضي والأقاليم. وتوافد النّاس متجشّمين الأسفار الطّويلة في أرجاء البرّ وأعماق البحر ليشهدوا آية العصر الفريدة. ولم يعد أحد يبحر إلى بافوس* ولا كنيدون* ولا كوثرة* لرؤية الإلهة فينوس*؛ هكذا أُغفلتْ طقوسها وهُجرتْ معابدها وديستْ وثائرها وأُهملتْ أعيادها، فلا أكاليل لتماثيلها، وفي هياكلها الخالية برد الرّماد مدنّسا حرمتها. لتلك الفتاة باتتْ توجَّه الصّلوات وفي زيّ بشر تُستدرّ بركات تلك الإلهة العظيمة؛ ولّما تخرج الفتاة صباحا، تقدَّم الذّبائح والأطعمة تيمّنا باسم فينوس* الغائبة؛ ولها يتقرّب النّاس في ازدحام لمّا تتمشّى في السّاحات العامّة، فيغمرونها بالزّهر منظوما ومنثورا في تعبّد وإجلال. أثار تحويل التّقديس الواجبة للإلهة إلى عبادة فتاة فانية وبمثل هذا الغلوّ، حفيظة فينوس* الحقيقيّة؛ فهزّت رأسها باحتداد وانفجرت، قائلة لنفسها وهي تتميّز من الغيظ:

4-3. غضب الإلهة

"تبّا! أنا منشأ الطّبيعة العتيق، أصل العناصر الأوّل، ومغذّية الأكوان، أنا فينوس* أُهان إلى حدّ أن تُشرك في ألوهتي فتاة من الفناة، ويدنَّس في أدران الأرض اسمي المسبَّح في السّماوات. حتّام أتحمّل هذا الخلط وأن تشرَك في التّقديس الواجب لاسمي معبودة ثانية، وتحمل صورتي حيثما راحتْ فتاة فانية؟ ^ لقد ضاع سدى حكم ذلك الرّاعي* الّذي أيّد عدالتَه يوبتر* العظيم نفسه ونزاهتَه، لمّا قدّمني لجمالي الفائق على أعظم الإلهات؛ كلاّ، لن تغتصب شرفي ناعمة البال تلك الفتاة أيّا تكن بين الإنسيّات؛ لأجعلنّها تكفّر عن حسنها غير المشروع هي بالذّات!" وفي الحال دعت ابنها المجنّح، ذاك الولد النّزق الوقح، الّذي يُمضي كامل اللّيل يجوس خلال ديار الغير، مسلّحا بالأقباس والسّهام، مستخفّا بسلوكه الشّائن بالنّظام العامّ، مدمّرا كلّ الأسر، يأتي بلا عقاب كلّ شرّ ونُكر ولا يعمل قطّ أيّ خير. فحرّضته بأقوالها فضلا عن طباعه الماجنة أصلا، واقتادته إلى تلك المدينة وأرته عيانا بسيشية*- كذلك فعلا كانت تدعى تلك الفتاة.

4-31 فينوس تستنصر ابنها

روت له القصّة بالتّمام والكمال عن تلك المنافسة على عرش الجمال، وقالت وهي تتّقد من الغضب وتئنّ وترتعد: "أناشدك برابطة الأمومة المقدّسة، بجراح سهامك العذبة وحرائق أقباسك الحلوة أن تأخذ لأمّك ثأرها بالكامل؛ وتنتقم لحرمتها من هذا الجمال المتطاول، أن تفعل لي شيئا واحدا لقاء كلّ جمائلي: أن يتعلّق قلب هذه الفتاة شخصا في منتهى الحطّة، قسا عليه الحظّ في الجاه والمال والصّحّة، ونزل إلى الحضيض خساسة حتّى لا يجد في الأرض كلّها من يضاهيه تعاسة." قالت ذلك وشدّت على ابنها طويلا شفتين متّقدتين. ثمّ قصدتْ مكانا قريبا على الشّاطئ حيث ترتدّ اللّجّة؛ فاعتلتْ بقدميها المورّدتين زبد الموج الهفهاف وها هي تتهادى عائمة على سطح اللّجّة الصّافي. وبمجرّد ما بدأتْ، وما كادتْ، تريد، وكما لو تدبّرت الأمر منذ أمد بعيد، التفّ بها في الحال موكب أتباعها من سكّان البحار. حضرت بنات نيريوس* هازجات، وبُرْتونوس* ذو اللّحية الكثّة اللاّزورديّة، وصلاقية* المثقلة بصدارها المليء بالأسماك والحوذيّ الصّغير بلايمون* على صهوة الدّلفين وجماعات التّريتون* متوثّبين من هنا وهناك على صفحة البحر مرحين. هذا ينفخ أعذب الألحان في صدفيّة، وذلك يقي الإلهة وهج الشّمس بغلالة حريريّة، والآخر يحمل مرآة أمام عيني سيّدته، وآخرون يتماقلون مثنى تحت مركبتها مرحين؛ سار الموكب يرافق فينوس* في طريقها للقاء أقيانوس*.

4-32 آلام بسيشية

في الأثناء لم تجْنِ بسيشية رغم جمالها الوضّاء أيّ نفع من بهائها؛ فالكلّ يتأمّلونها ويمدحونها، لكنّ لا أحد، ملكا كان أو أميرا أو حتّى من سواد الشّعب، تقدّم يطلب يدها وقلبه يخفق بالحبّ. النّاس يعجبون بحسنها الرّبّانيّ، لكن كما يعجب الجميع بتمثال منحوت بفنّ بديع. منذ أمد خُطبت أختاها اللّتان لم تلهج بحسنهما العاديّ أفواه النّاس لملكين، وفازتا بزيجتين موفّقتين. بينما تُركتْ هي بكرا في دار أبويها، تبكي عنوستها الموحشة، سقيمة الجسم عليلة الفؤاد، وباتت تكره في نفسها ذلك الحسن، وإن كانت محلّ إعجاب الأمم. فتألّم لتعاستها أبوها، وساوره شكّ في ضغائن من السّماء، وخشي غضبا علويّ المصدر؛ فذهب يستفسر عرّاف إله ميلتوس* العتيق. أخذ يدعو الإله العظيم متوسّلا بالصّلوات والقرابين طالبا لابنته زيجة وبعلا؛ لكنّ أبولّون*، مع كونه إغريقيّا وإيونيّا*، ردّ، اعتبارا لصاحب هذه القصّة الميليتيّة، بهذه النّبوءة باللّغة اللاّتينيّة:

4-33 زفاف مشؤوم

"على صخرة الجبل العالية، تخلّ عن ابنتك الغالية، مزيّنة لزيجتها القاضية. لا تنتظر صهرا من نسل الفناة إنسانا، بل ارتقب وحشا ضاريا شرسا أفعوانا. ينشر، محلّقا فوق الأثير، أسوأ الدّمار، ويعذّب كلّ الكائنات بالحديد والنّار؛ يخشاه يوبتر* ذاته الذي يرهبه الأرباب، وتخافه سُدف إستكس* ويعتري مياهه الاضطراب." لمّا سمع الملك تلك النّبوءة، انقلبت سعادته شقاء وارتدّ على آثاره حزينا كسير الخاطر وأفضى إلى زوجته بأوامر القضاء الجائر؛ فعمّ المدينةَ الحزن والبكاء والتّفجّع أيّاما؛ لكن لا بدّ أن ينفَّذ القضاء المرّ، مهما بلغت فظاعة تنفيذه. فأُعدّ جهاز للاحتفال بزفاف الفتاة التّعيسة، وأيّ احتفال! بهتتْ نار مشعل الزّفّة وسوّدها السّخام، وتحوّل نغم المجوز إلى ما يشبه شكوى المهرّج، وانتهت أهازيج هذا الزّواج إلى ولولة كالجنائز، وراحت الفتاة، وهي على وشك أن تُزفّ، تمسح عبراتها بطرحتها. شاطرت كلّ المدينة الأسرة المنكوبة الألم من قدرها المأساويّ، وأُعلن وفقا لذلك عن الحداد الرّسميّ.

4-34 الرّضا بالقضاء

لكنّ ضرورة الانصياع لأوامر السّماء كانت تقتضي بسيشية المسكينة التّوجّه إلى العقاب المعدّ لها؛ لذا لم يسعها، بعد إجراء احتفالات زفافها المأتميّ، إلاّ أن تتقدّم للقاء عريسها جنازةً حيّةً، في موكب شعبيّ حاشد؛ لم تمش بسيشية الباكية في زفّة عروس بل في موكب ناووس. وفيما وقف أبواها في انكسار يعصرهما الأسى متردّدين في إنجاز ذلك الأمر الإمر، تقدّمت مهيبة بهما: ^ "لِم تُغرقان شيخوختكما البائسة في الدّموع المسترسلة؟ لِم تعذّبان روحكما الّتي هي روحي بالشّكاوى المتواصلة؟ لِم تشوّهان وجهيكما اللّذين أجلّ بدموع لا تجديكما؟ لِم تجرّحان عينيّ في عيونكما؟ لِم تقطّعان شيبتكما المهيبة؟ لِم تلطمان أحضانكما المقدّسة الحبيبة؟ هذه هي الثّمار الرّائعة الّتي تجنيان من حسني الفتّان؛ وبعد فوات الأوان ها أنتما أدركتما أنّ غيرة وحشيّة بطشت بكما. لمّا كانت الأمم والشّعوب تعظّمني بأمجاد الألوهة، لمّا كانوا جميعا يدعونني بفينوس* الجديدة، كان عليكما إذّاك أن تألما، إذّاك أن تبكيا، إذّاك أن تأسيا، كما لو كنتما مذّاك ثكلتما. الآن أدرك، الآن أرى أنّ اسم فينوس* أوردني الرّدى. خذاني وعلى الصّخرة الّتي حدّدتها الأقدار ذراني؛ إنّي أتعجّل لعقد هذا القران السّعيد، وأتحرّق شوقا لرؤية زوجي الحميد؛ لِم أؤجّل، لِم أحاول أن أدفع لقاء من وُلد لدمار العالم أجمع؟"

4-35 إلى المصير المحتوم

هكذا تكلّمت الفتاة، ثمّ صمتت ودخلت بخطوة واثقة في موكب المشيّعين. ذهبوا إلى الصّخرة المحدّدة من ذلك الجبل الكالح، فتركوا كلّهم الفتاة واقفة بأعلى قمّتها، مبقين عندها مشاعل زفّتها التي استضاؤوا بها عند قدومهم وقد أطفأتها دموعهم، وعادوا إلى البيوت ناكسين رؤوسهم. أغلق الأبوان البائسان، المسحوقان تحت تلك الرّزيّة بيتهما وانطويا في ظلمته، ناذرين ما تبقّى من العمر لليل سرمديّ. أمّا بسيشية فبقيت على صخرتها خائفة، مرتعشة، باكية، وبعد حين أحسّت ثوبها يهتزّ برفق بنفحات زفيروس* الرّقيقة، ونفخت أنفاسه شيئا فشيئا أثناء ثوبها فأخذت ترتفع، وحملتها نسماته اللّطيفة بلين عبر رواهص ووهاد واد عميق، وتضجعها برقّة كحفيف الخمائل على بساط ناعم من عشب مزهر نضير.