أبوليوس

 

الحمار الذّهبيّ

 

الكتاب الثّاني

 

 

2- الكتاب الثّاني

2-1 المدينة المسحورة

تولّى الليل وبعثت شمس جديدة ضياء النّهار فنهضت من فراشي قلقا متشوّقا لمعرفة ما هناك من نادر ومعجب الأخبار. مفكّرا أنّي أدركت مركز تسّالية* الّذي تُجمع الألسن في كامل الأرض على الإشادة به كمولِد فنون السّحر وأنّ قصّة رفيقي الفاضل أرسطومان أتت من موقع هذه المدينة تحديدا، مشلولا عن الإرادة والفعل معا؛ وأخذت أنظر إلى كلّ الأشياء بفضول. فلم يكن شيء في تلك المدينة يبدو لي إذ أنظر إليه هو حقًّا ما هو، بل بدت لي كلّ الأشياء قد تحوّلت بنبس نحس إلى صورة مختلفة. حتّى خلتُ الحجارة الّتي ألاقيها مُسخت من الهيئة البشريّة إلى الصّلابة، وبنفس النّحو اكتسبت الطّيور الّتي أسمعها ريشها، والأشجار المحيطة بالأسوار أوراقها، ومياه الينابيع تدفّقت في الحقيقة من أجسام بشريّة^. بل بدا لي أنّ التّماثيل والصّور ستمشي والجدران ستتكلّم والثّيران وغيرها من البهائم توشك أن تنطق بنبوءات، ومن السّماء نفسها وقرص الشّمس المتهادي تحت قبّتها سينزل بغتة وحي إلهيّ مبين.

2-2 لقاء قريبته

أخذت أطوف بكلّ الأشياء، مشدوها بل مذهولا برغبة عاتية تعذّبني دون أن أرى بداية ولا أدنى أثر لما كنت أرغب فيه. بينما أنا أهيم من باب إلى باب، في ما يشبه كسل المتسكّع، دخلت السّوق فجأة على غير هدى، فإذا امرأة تسير هناك برفقة طاقم كبير من الخدم فحثثت خطاي لأدركها. كان الذّهب الّذي يرصّع حليّها ويوشّي جلبابها ينمّ عن سيّدة من النّخبة بالتّحقيق. وكان يمشي بجانبها عجوز أثقلته السّنون، ما كاد يراني حتّى هتف: "إنّه لوقيوس وحقّ السّماء." وأقبل عليّ يعانقني ثمّ وشوش بكلام لم أتبيّنه في أذن المرأة وخاطبني: "ألا تتقدّم وتسلّم على أمّك؟" أجبت:" أخشى ألاّ تكون سبقت لي معرفتها"، وتأخّرت لتوّي مطاطئا رأسي مخضّبا بحمرة الخجل. أمّا هي فالتفتت إليّ ممعنة فيّ النّظر وقالت: "هي ذي استقامة أمّه سلْوية* الفاضلة ودماثة أخلاقها في وجهه؛ بل أيّ تطابق وأيّ تناسق في بقيّة أعضاء الجسم: القدّ المشيق والقامة الهيفاء والحمرة الخفيفة والشّعر الأشقر دون خضاب، والعينان الزّبرجديّتان اليقظتان، كعيني النّسر، والوجه المتألّق في كلّ قسماته والمشية الأنيقة غير المتكلّفة."

2-3 استضافتها له

ثمّ أضافت: "أنا الّتي ربّيتك بيديّ هاتين يا لوقيوس؛ فأنا قريبة أمّك لا بالدّم فقط بل بالرّضاعة أيضا. ننحدر سويّا من أسرة أفلوطرخس*^ ورضعنا نفس المرضعة وترعرعنا معا في تآلف الأختين^، إنّما فرّقت بيننا المنزلة إذ تزوّجتْ هي أحد الشّخصيّات العامّة وأنا أحد الخواصّ. أنا برّينة^ الّتي قد تذكر اسمها فلا شكّ أنّك سمعت ألسنة مربّيك تردّده. فانزل بلا حرج في بيتي بل اعتبره منزلك."^ رددت على دعوتها وقد زايلني الخجل أثناء حديثها: "معاذ الآلهة يا خالة أن أغادر مضيّفي ميلون بلا سبب. لكنّي سأحرص على أداء واجباتي كاملة. وكلّما تجدّد دافع سفرتي، لن أنزل عند سواك." وبينما كنّا نتجاذب أطراف هذا الحديث وما شابهه، وصلنا في بضع خطوات، إلى بيت برّينة.

2-4 في بيت برّينة

كانت الرّدهة من أبهى طراز، تحمل على أعمدة منتصبة في كلّ واحدة من زواياها الأربع تمثالا لإلهة ( النّصر*) بسعفها المميّز، وقد أفردت جناحيها، وانتصبت لا لتستقرّ، ملامسة بأسفل قدميها المهفهفتين كرة تكاد تجرّها، حتّى لتخالها من خفّة الوطء تطير. وهذا رخام باروس* منحوتا في صورة ديانة*، يحتلّ وسط الرّدهة الممهّد، تمثالا متألّقا، معارضا بثوبه نسمات الصّبا، ينبض في مشيته بالحياة، يلاقي الدّاخلين، مجلّلا بفخامة الألوهة. وكلاب تتبع الإلهة محيطة بجانبيها، كلاب لكنّها رخام، تتوعّد منها العيون، وتنتصب الآذان، وتنتفخ الخياشيم، وتكشّر الأفواه؛ فلو أتى نباح من كثب، لخلته يخرج من تلك الحناجر الحجريّة. وقد أظهر فيه النّحّات المبدع أرقى نموذج للعمل الفنّيّ؛ ففي تلك الكلاب المتحفّزة من على لبّاتها المتينة، تربض القوائم السّفلى وتتوثّب العليا^. ووراء ظهر الإلهة ترتفع صخرة على نحو كهف وسط الطّحالب والأعشاب والأوراق والأفنان: هنا عرائش مثقلة بعناقيدها، وهناك جنبات محمّلة بأزهار من حجر. وفي الدّاخل يلقي الرّخام المتألّق على ظلّ التّمثال سناه؛ وتحت حافّة الصّخرة، تتدلّى فواكه وأعناب صُقلت بتفنّن وإتقان، عرضها الفنّ منافس الطّبيعة فجاءت شبيهة بالحقيقة. حتّى لتظنّ بوسعك جني بعض منها للأكل لمّا يلقي عليها الخريف بنفحاته اللّواقح لون النّضوج. ولو انحنيت وتأمّلت النّبع وهو ينبجس ثجّاجا في كلّ صوب من تحت قدم الإلهة فيسبطرّ مرتعشا في اللّجّة الوديعة، لخلتها حبّات العنب المتدلّية في الحقل بين عرائش الكروم لا تعوزها الواقعيّة ولا الحركة. وبين الأغصان الحجريّة الّتي تتوسّط المشهد، يُرى أختيون* مشرئبّا نحو الإلهة بنظرة فضوليّة، وقد أحيل ظبيا لكن من رخام، راقبا ديانة* وهي تستعدّ للاغتسال في النّبع^.

2-5 برّينة تحذّره من زوجة مضيّفه

بينما أنا أستمتع بمشاهدة تلك التّماثيل مبهورا ناقلا بينها النّظر مستزيدا، قالت برّينة: "كلّ ما ترى هو لك"^، ثمّ أوعزت إلى الآخرين سرّا بالانصراف. ولمّا انصرفوا كلّهم، قالت: "بحقّ الآلهة، يا لوقيوس العزيز، لشدّ ما أتعذّب خوفا عليك ولكم أودّ اتّخاذ أشدّ تدابير الحيطة خشية على قريب غال! فاحترس أرجوك كثيرا من شرور وإغراءات تلك المجرمة بنفيلة*، زوجة مضيّفك ميلون. يُعتقد أنّها ساحرة من الدّرجة الأولى عليمة^ بفنون السّحر والتّعزيم برفات الموتى، وبعيدان وحصًى وسفاسف مماثلة تنفخ عليها بتمتمة تعرف كيف تغطّس ضياء العالم العلويّ في سُدف التّرتار* والسّديم الأصليّ. ولمّا ترى شابّا بهيّ الطّلعة تهوى حسنه وسرعان ما تحوّل عينها وفؤادها نحوه. وتنشر إغراءاتها^ من حوله لتغويه وتستولي على عقله وتقيّده بشراك الهوى الأبديّة. من يفتر إذّاك تجاوبهم معها أو يثيرون بإعراضهم بغضها تمسخ حالا بعضهم حجارة أو أنعاما أو بهائم أخرى وتلاشي الآخرين تماما. لذا أخاف عليك من مكرها وأرى من واجبك الاحتراز من شرّها؛ فإنّها تستعر أبد الدّهر، وأنت بسنّك ووسامتك قادر على إثارتها": ذاك ما حدّثتني به برّينة في جزع.

2-6 خطّة "دون خوان"

لكنّي لفضولي الفطريّ، حالما سمعت اسم السّحر المحبّب دوما إلى نفسي، لم أدع الحذر من بنفيلة فقط، بل اتّقدت رغبة في تلقّي دروس بمثل خبرتها ولو بأبهظ ثمن والارتماء بقفزة عجلى في الهاوية. فتخلّصت بعجلة هوسيّة من يدها كقيد بغيض وودّعتها متعجّلا، وطرت على جناح السّرعة إلى بيت ميلون. قلت لنفسي وأنا أسرع الخطو في جنون: "تيقّظ يا لوقيوس وكن ثبت الجنان. هي ذي فرصتك وبوسعك الآن إشباع قلبك من شغفه الدّائم بالعجائب. فدع عنك مخاوفك الصّبيانيّة، وبادر بحماس إلى الشّأن الّذي إليه تسعى. حذار أن تفكّر في ربط علاقة غراميّة مع مضيّفتك، واحترم قداسة عشّ الزّوجيّة إكراما لميلون الفاضل، لكن اجتهد للظّفر بخادمته فوتيس. إنّها حلوة لعوب، ومرهفة الذّكاء حقًّا؛ لمّا انسحبتَ البارحة لتنام، قادتك برقّة إلى غرفتك فوضعتك على الفراش متلطّفة وغطّتك مترفّقة، وبعدما قبّلت رأسك، أبدت على محيّاها وهي تنصرف من عندك مدى ضيقها بمبارحتك وتلكّأت ملتفتة إليك مرارا. لا يجوز أن تفوّت على نفسك هذه الفرصة السّعيدة الميمونة، لتغْوِ فوتيس."

2-7 رقصة القِدر

وصلت إلى باب ميلون وأنا أناقش هذه الأمور مع نفسي، راكبا رأسي كما يقال^؛ لكنّي لم ألق بالبيت ميلون ولا زوجته، وجدت فوتيس الحبيبة بمفردها. كانت تحضّر لسيّديها لحم سجقٍ مفروما ومحشوّا ولحما مقطّعا في مرق متبّل بذكيّ الأفاويه، وحسب ما تناهى إلى منخريّ قدّيدا شهيّا^. كانت ترتدي مئزرا نظيفا من الكتّان تحزّمت عليه بزنّار أرجوانيّ رفعته إلى ما تحت النّهد مباشرة، وتدير القدر بيديها الحلوتين، وتقلقله في ليّات دائريّة برجّات متلاحقة، ثانية في نفس الوقت أعضاءها برقّة، هازّة برفق جذعها ومموّجة بلطف خصرها. تسمّرت مبهوتا مفتونا أمام هذا المشهد وانتصبت أعضائي التي كانت هامدة قبلا^. أخيرا خاطبتها: "عزيزتي فوتيس، ما أحلاك وما ألطفك وأنت تدوّرين هذه الطّنجرة مع ردفك! أيّ مرق لذيذ تعدّين! يا بخت ويا سعد من تأذنين له بأن يغمس فيه إصبعه." فردّت تلك البنت المرحة الطّروب: "انء بنفسك يا مسكين عن تنّوري! لو لفحك لسان من ناري لاتّقدت حتّى الصّميم ولن يستطيع إخماد الأوار أحد سواي أنا الّتي أجيد الطّبخ، وأعرف كيف أهزّ أعذب الهزّ القدر والتّخت."

2-8 مديح الوجه

نظرت إليّ وهي تقول ذلك وضحكت؛ غير أنّي لم أنصرف قبل أن أتفحّص جيّدا مظهرها كلّه. لكن ماذا أقول عن البقيّة وهمّي الوحيد كان على الدّوام الشّعر والوجه: أنعّم فيهما النّظر بالخارج سابقا وأتنعّم بهما في البيت لاحقا. والمبرّر الثّابت لمذهبي هو أنّ هذا الجزء البارز من الجسم والكائن في محلّ بيّن وجليّ أوّل ما يبدو منه لأعيننا، وأنّ الحسن الفطريّ وحده هو الّذي يبهرنا في الوجه بخلاف بقيّة الأعضاء حيث ينوب عنه رونق اللّباس. بل إنّ الكثيرات، لإثبات جاذبيّتهنّ الطّبيعيّة، يخلعن كلّ رداء، ويتجرّدن من كلّ غلالة، ويحببن أن يتقدّم حسنهنّ عاريا، ليفتِنّ بنضرة بشرتهنّ المتورّدة أكثر ممّا يبهرن بسنا الذّهب في ملابسهنّ. لكن ويا لفظاعة المثل الّذي سأسوق، فإنّ قوله لإحدى الكُبر- لو جرّدت من الشّعر رأس غادة رائعة الجمال وعرّيت وجهها من هذه الحلية البديعة الّتي حبتها بها الطّبيعة، ولْتكنْ نزلت من السّماء لتوّها أو انبثقت من البحر، أو خرجت من اللّجّة، بل لتكنْ فينوس* نفسها محفوفة بموكب ربّات الرّواء* بأتمّهنّ وبكلّ آلهة الحبّ* مرفرفين حواليها، مننطقة حزامها البديع، فوّاحة بشذا الكافور، عبقة بأريج المرّ، تتدرّج صلعاء، فلن تعجب أيّا كان، حتّى زوجها فلكان*.

2-9 مديح الشّعر

لكن ماذا لو أشعّ بالشَّعر لون فاتن ورونق مشرق، وتألّق معارضا أياة الشّمس أو عاكسا في دعة سناها، أو تدرّج على سلّم الألوان، مشعشعا تارة ببريق الذّهب الوهّاج ومنغمرا في فيء العسل الفاتح، ومحاكيا تارة أخرى بسواد كالغراب وُرقة النّتف الغبشاء في أجياد الحمائم، أو دُهن بصمغ بلاد العرب وسُرّح بأسنان مشط رقيق دقيق، وألقي وراء العنق فتراءى لعين العاشق، عاكسا كالمرآة صورة كلّها بهاء وحلاوة ورواء؟ ماذا لو ضُفر في عقصة كثيفة مكلّلا أعلى الرّأس، أو انحدر منسرحا على الظّهر خصلة مديدة ناعمة؟ من عظم شأن الشّعر أنّ المرأة مهما أخذت زخرفها وازّيّنت بالحلل الموشّاة بالذّهب واللّآ لئ وشتّى الحلى، وتدرّجت تختال، لا يمكن أن تعتبرها متزيّنة ما لم تصفّف شعرها. أمّا فوتيس حبيبتي، فقد زادها الشّعر عذوبة على العذوبة، لا بتسريحته المتفنّنة، بل بإهماله وفوضاه. فقد جمعت عقدة في أعلى رأسها خصلها المتلافّة وتركتها تنساب برقّة فتتدلّى من أعلى القفا وتنحدر على نحرها متموّجة ناعمة وتستقرّ على حافّة ياقة إزارها منعقفة أطرافها.

2-10 نشوة الحبّ

لم أستطع مقاومة عذاب الشّهوة أطول. فاقتربت منحنيا، وطبعت على محطّ خصلها، من حيث يصعد شعرها إلى قمّة رأسها، أعذب قبلة. إذّاك أدارت رأسها وغمزتني بعينين تلتمعان إغراء، وقالت :"انتبه أيّها التّلميذ المشاغب! ها أنت تتناول مقبّلات حلوة ومرّة. فحذار أن تثير بحلاوة العسل المفرطة مرارة الصّفراء المستديمة!" أجبت :"ماذا تقولين يا بهجتي، أنا مستعدّ من أجل قبلة واحدة تحيي مهجتي، حتّى لأن أُصلى ممدّدا فوق هذه النّار"، قلت ذلك وأخذت ألثمها وأضمّها بحرارة إلى صدري. فما لبثتْ أن تجاوبت مع اضطرامي، متّحدة معي في التحام الغرام، وشذا أنفاسها المتضوّع من ثغرها المنفرج، وزغزغة لسانها العذبة ينبضان بالرّغبة. هتفتُ: "إنّي أهلك، بل هلكت إن لم تسعفيني." فعادت تعانقني وقالت: "تشجّع فبي مثل ما بك، وأنا أمة لك، ولن تؤجَّل متعتنا أطول؛ عند الغسق آتي إلى غرفتك؛ فاذهب وهيّء نفسك، لأنّي اللّيلةَ منازلتك ببسالة وبطيب خاطر."

2-11 في انتظار الموعد

بعدما تبادلنا هذه النّأمات افترقنا؛ وعند الزّوال أرسلت لي برّينة، هدايا ترحاب، خنزيرا سمينا وخمسة فراريج ودنّا من خمر معتّقة من أجود صنف. فدعوت فوتيس وقلت: "هو ذا باخوس* مشجّع فينوس* وحامل سلاحها يسبقها. لنشرب اليوم كلّ هذه الخمر لتزيل عنّا وجل الحشمة وتبعث فينا جرأة الشّهوة المتلظّية. لهذا الزّاد فقط يحتاج مركب فينوس* لنسهر اللّيل كلّه ويطفح بالزّيت مصباحنا وبالمدام أقداحنا." قضيت بقيّة النّهار في الحمّام ثمّ العشاء، إذ طلبني ميلون لأشاركه عشاءه، فاستلقيت أمام الخوان متجنّبا نظر زوجته، ذاكرا وصايا برّينة، ونائيا بعينيّ عن وجهها كأنّي أخشى الوقوع في فوّارة أوِرنوس*، لكنّي كنت أنعش مهجتي بالنّظر إلى فوتيس الّتي أتت لخدمتنا بين الفينة والفينة. فجأة هتفتْ بنفيلة ملتفتة إلى المصباح، وقد حلّ المساء: "أيّ مطر غزير سيأتي غدا^." ولمّا سأل زوجها مستوضحا أجابت أنّ ذلك ما أنبأها المصباح. فعلّق ميلون ضاحكا: "إنّا نحتفظ حقّا في شخص مسرجتنا هذه بعرّافة سيبلّيّة* ترقب من مرصد مشكاتها كلّ شؤون السّماء، بل الشّمس نفسها!"

2-12 سهرة مع ميلون وبنفيلة

تدخّلت عند ذلك: "تلك فعلا أوّليّات فنّ العرافة. لا عجب أن يمكن هذه الذّبالة المهينة والمصنوعة بأيد بشريّة لا محالة، الحاملة مع ذلك ذكرى اللّهب السّماويّ الأعظم مصدرها الّذي منه انبثقت وفيه ستتلاشى أن تعلم وتنبئنا عِرافة وإلهاما بما دُبّر في أعالي الأثير. فمثلا، يوجد عندنا في كورنتوس*^ عرّاف^ عجيب يثير بكهاناته المدينة بأكملها ويعلن للجماهير أسرار الأقدار مقابل دوينقات. أيّ يوم مثلا يثبّت روابط زيجة، أو يرسّخ أسس مدينة، أو يناسب تاجرا، أو يواتي مسافرا، أو يلائم ركوب البحر. أنا مثلا لمّا سألته عن نتيجة سفرتي أنبأني بكثير من الأمور المتنوّعة الباهرة. بأمجاد ساطعة وقصّة رائعة ومغامرات غاية في العجب وكثير من الكتب."

2-13 عرّاف عليم

قال ميلون ضاحكا على كلامي: "ما أوصاف عرّافك ذاك وما اسمه؟" فأجبت: "هو رجل فارع أسمر يدعى ديوفانس*." فهتف: "هو بعينه ولا أحد سواه! لقد أقام هذا الرّجل عندنا وقدّم للعديدين نبوءات كثيرة كاسبا من صنعته لا دوانيق بل أموالا وفيرة. لكنّ المسكين وقع في شرك حظّ لا أدري أأقول منكود أو غشوم^. ذات يوم، بينما مضى، وسط جمهور غفير، يقدّم للجمع المتحلّقين به تكهّناته، أتاه تاجر يدعى كردون* مستفسرا عن اليوم المناسب لسفر ينويه. حدّد له يوما اختاره، وها هو يطرح هميانا فينثر النّقود ويعدّ مائة دينار هي أجر الكهانة، وإذا بشابّ تنمّ هيئته عن كرم محتده يتسلّل وراء صاحبنا، ويجذبه من طرف ثوبه؛ ولدى التفاته يعانقه بحرارة. فردّ تحيّته وأجلسه إلى جانبه، وخاطبه مشدوها وناسيا من فرط دهشته من اللّقاء المفاجئ الصّفقة الّتي كان بصدد إبرامها: "متى نزلتَ أهلا بيننا بعد طول شوقنا؟" فردّ الشّابّ: "عند المساء تماما؛ لكن حدّثني بدورك، أيّها الأخ الكريم، كيف تمّت رحلتك بحرا وبرّا بعد إبحارك المفاجئ من جزيرة أوبويا*."

2-14 نباهة عرّاف

ردّ عرّافنا العليم ديوفانس وهو لا يزال في غيابه وذهوله: "على كلّ أعدائنا وخصومنا أدعو بمثل تلك السّفرة النّحسة الّتي أربت على رحلة أوديسّيوس* شؤما! فقد تلاعبت بالسّفينة الّتي أقلّتنا عواصف عاتية وفقدت كلتا دفّتيها ثمّ جنحت على ساحل شديد الوعورة مرتطمة بعنف وانغرست في القاع؛ وبشقّ الأنفس سبحنا إلى الشّاطئ ناجين بأنفسنا بعد ضياع كلّ أمتعتنا. وكلّ ما استطعنا من بعد جمعه، سواء من صدقات الأجانب أو من مساعدة الإخوان، انتزعه اللّصوص منّا، بل إنّ أخي الأوحد أرغنوتوس* الّذي تصدّى لجبروتهم بشجاعة الأبطال ذُبح أمام عينيّ هاتين." قبل أن ينهي قصّته الحزينة استولى التّاجر كردون على المال الّذي كان قد دفعه أجرا للنّبوءة وفرّ فورا. حينذاك فقط أفاق ديوفانس، وهو يرى الحضور المتحلّقين حوله ينفجرون في ضحكة مدوّية، وتفطّن للكارثة الّتي أوقعته فيها غفلته^. لكن لك أنت وحدك، أيّها السّيّد الفاضل لوقيوس، لا بدّ أنّ ذاك العرّاف قال صدقا^، كانت السّعادةُ بصحبتك واليمن رفيقَ مسيرتك."

2-15 الاستعداد للية حبّ

بينما مضى ميلون في هذه الأحاديث، كنت أتألّم داخليّا بصمت وأحترق نقمة على نفسي أنا الّذي أثرت هذه السّلسلة من القصص في الوقت غير الموافق، مفوّتا على نفسي جزءا هامّا من السّهرة وأنسها الرّائق. أخيرا غلبت حيائي وقلت لميلون: "فليُقاسِ ديوفانس ما قدّر له حظّه، وليسلّم بدوره إلى البرّ والبحر سويّة ما استحوذ عليه من النّاس. أمّا أنا فما زلت خائرا من تعب أمس فائذن بأن آوي إلى فراشي باكرا." قلت ذلك وغادرته وذهبت إلى غرفتي؛ هناك لاحظت أنّ ترتيبات للعشاء دُبّرت بأحسن وجه. فقد فُرش للغلمان^ خارج الغرفة على الأرض وبمنأى، لإبعادهم حسبما بدا لي عن سماع نأماتنا ليلا، وبجانب سريري نُصبت مائدة حفلت ببقايا عشاء طيّبة. ووُضع عليها قدحان من صنف وسط سُكبت فيهما خمر إلى النّصف فقط في انتظار مذقها، ورُكزت في متناول اليد قنّينة رُفعت بفتّاحة الأكواز سدّادتها، فوهتها المفتوحة ميسّرة للاغتراف: كلّ المعدّات لمنازلة عاشقين.

2-16 ليلة حبّ

ما كدت أتمدّد على السّرير حتّى أتت حبيبتي فوتيس طلقة الأسارير، بعد إيواء سيّدتها إلى فراشها، وقد دسّتْ وردا منظوما وآخر مفروطا في صدارها. وبعدما عانقتني بحرارة وطوّقتني بجديلة الورد وألقت عليّ نثار الزّهر، تناولت قدحا وسكبت فيه ماء ساخنا ثمّ قدّمته لي لأشرب. وقبل أن أفرغه تماما أخذته برفق ورويدا رويدا، مزّت البقيّة زامّة شفتيها ورانية إليّ. ثمّ دار بيننا ثان فثالث، وتنقّلت بيننا الأقداح تترى، حتّى تئقتُ خمرا وكمل استعدادي للشّبق، لا بالرّوح فقط، بل كذلك بالبدن، وانتشيت واعتراني خدر خفيف. فأمطتُ إلى حدّ العانة طرف الرّداء، مبديا لفوتيس الحبيبة نفاد صبر شهوتي. "ارحميني"، قلتُ، "وعجّلي بإسعافي، فأنا كما ترين على أتمّ الأهبة بحماسة للمعركة الوشيكة الّتي قرّرتِها لنا دون إعلان حرب حسب الأصول. حالما تلقّيتُ في سويداء قلبي أوّل سهم سدّده كوبيدون* الغشوم صوبي، وتّرتُ قوسي بدوري بأقصى الشّدّ، حتّى لأخشى أن ينقطع الوتر من شدّة المدّ. لكن لتبدي رغبتك بنحو أتمّ، أرسلي شعرك في انسياب مهفهفا فوق ضمّاتك العذاب."

2-17 صراعات الحبّ

في الحال أجْلت كلّ أطباق الطّعام بخفّة، وتجرّدت من كلّ ملابسها وحلّت شعرها في دلّ مثير فتحوّلت بروعة إلى صورة لفينوس* وهي تخرج من اللّجج، مغلّلة بغنج، لا مخفية بخفر، أنوثتها الأملود بكفّها القرمزيّة الصّغيرة. "إلى النّزال"، قالت، "وإلى النّزال ببسالة، فما أنا لك بمستسلمة ولا مولّية قفاي؛ فاصمد أمامي وجها لوجه إن كنت تحمل عزم الرّجال واهجمْ بحماس وقاتل مستميتا، فلا توقّف الليلة لمعركتنا." طلعت وهي تقول ذلك على السّرير وجلست فوقي برقّة، وبهزّات متلاحقة، وتثنّيات مثيرة أخذت تحرّك ظهرها الرّشيق، فروت ظمئي من لذّة فينوس* المعلّقة حتّى فترت همّتنا وكلّت جهودنا فتهاوينا معا منهكين، ومتحاضنين مسلّمين روحينا. وامتدّ بنا السّهر ونحن في هذه الصّراعات وأمثالها إلى حدود الفجر، مستعينين بالقدح بين فينة وأخرى لشحذ همّتنا وتأجيج شهوتنا وتجديد لذّتنا؛ وشفعنا ليلتنا تلك بعدّة ليال أخرى مماثلة.

2-18 دعوة برّينة

ذات يوم طلبت منّي برّينة بإلحاح حضور مأدبة عشاء عندها؛ ولمّا اعتذرتُ لها بشتّى التّعلاّت لم تقبل اعتذاراتي. فكان عليّ أن أذهب إلى فوتيس لستئذانها واستفتائها؛ ورغم استيائها من ابتعادي عنها ولو قدر أنملة، قبلت أخيرا بطيب خاطر هذه الهدنة الوجيزة لحربنا الغراميّة. أضافت: "لكن حاولْ أن تعود من العشاء باكرا، فإنّ فئة مسعورة من شبابنا المنتمين إلى أرقى الأسر تشوّش الأمن العامّ؛ سترى هنا وهناك قتلى متناثرين على السّاحات العامّة، فحامية والي إقليمنا لبعدها عن مدينتنا عاجزة عن إراحتنا من هذا الأذى. وقد يجلب لك الخطر مظهرك الموحي بالثّراء وكذلك الاستخفاف بالأغراب." أجبت: "لا تنشغلي يا عزيزتي؛ ففضلا عن تقديمي لذّاتي معك على كلّ الولائم عند الغير، سأزيل كلّ مخاوفك بالعودة إليك باكرا؛ ثمّ إنّي لن أذهب بمفردي، بل سأتقلّد على جنبي سيفي رفيق دربي وإلفي، حاملا وسيلة سلامتي"؛ ثمّ التحقت مجهّزا بهذا النّحو بالمأدبة.

2-19 المأدبة

كان هناك حشد غفير من المدعوّين هم بالضّرورة، كما يُتوقّع لدى امرأة من النّخبة، زهرة المدينة؛ وكنتَ ترى موائد فخمة متألّقة بخشب السّرو^ والعاج، وأسرّة مسجّاة بأغطية موشّاة بالذّهب، وأكوابا كبيرة متنوّعة في بداعتها وإن اتّحدت في نفاستها. هنا الزّجاج المنقوش بمنتهى الإتقان، وهنا البلّور النّقيّ بلا شية، وهناك الفضّة الصّافية والذّهب المتلألئ والكهرمان المحفور بأروع الرّسوم، والأحجار الكريمة، أُعدّت للشّرب كلّها. وكلّ ما لا يمكن وجوده كان يوجد هناك. راح عدّة نُدل ارتدوا كسى فاخرة يعرضون بكياسة أطباقا حافلة بأشهى الأطعمة، وولدان جُعّد شعرهم بالحديد ولبسوا ثيابا جميلة يقدّمون للمدعوّين بلا توقّف أحجارا كريمة شُكّلت أكوابا من المدام الخندريس. بعدما أُدخلت المشاعل، تعالى السّمر حول المائدة وانطلقت من هنا وهناك الضّحكات والنّكات والدّعابات. عند ذلك خاطبتني برّينة: "كيف تجد العيش في بلادنا؟ نحن، فيما أعلم، نتقدّم بشأو بمعابدنا وحمّاماتنا وبقيّة المرافق العامّة على كلّ المدن، ونتفوّق كذلك بوفرة المعدّات المنزليّة. فهنا تتوفّر حقّا للزّائر الحرّيّة إن كان عاطلا^، وحيويّة رومية إن أتى يسعى في شغل، وراحة الرّيف إن جاء للاستجمام ببساطة؛ باختصار مدينتنا منتجع مستطاب لكلّ الإقليم."

2-20 السّمر

قلت ردّا على كلامها: "صدقا تقولين، فما خِلتني أكثر حرّيّة في أيّة بلاد أخرى ممّا أنا هنا؛ لكنّي أخشى في مدينتكم^ مكايد السّحر الّتي تحاك في الخفاء وليس منها محيد. يقال إنّ قبور الموتى نفسها ليست بمأمن من شرّها، بل يُبحث في المحرقات ونشوز الرّموس عن شتّى البقايا والمزع لتدبير المهلكات للأحياء. بل حتّى أثناء إقامة طقوس المأتم تستبق بعض السّاحرات العجائز بسرعة الطّير طريقة الدّفن الأخرى^." عقّب أحد الحضور على كلامي: "الحقّ أنّ الأحياء أنفسهم لا يسلمون ممّا ذكرتَ؛ وهناك شخص تعرّض لأذى من هذا النّوع فقد بُتر وشُوّه وجهه تماما." في الحال، انفجر كلّ الحضور مقهقهين بلا اتّزان، وسُلّطت وجوه وأنظار الجميع ناحية شخص منزو في ركن على سريره. فغمغم مستنكرا وقد سيء بالاهتمام الجماعيّ وهمّ بالنّهوض. لكنّ برّينة استوقفته: "أرجوك، يا عزيزي تليفرون*، أن تبقى قليلا معنا، وتعيد قصّتك على مسامعنا، وفق حسن أدبك المألوف، ليستمتع ابني لوقيوس هذا بحلاوة حديثك اللّطيف." فردّ: "أنت يا سيّدتي دوما على ودادتك وإخلاصك لا جدل، لكنّ صفاقة البعض هنا أكبر من أن تحتمل." بدا وهو يقول ذلك في غاية التّأثّر إلاّ أنّ إلحاف برّينة التي راحت تناشده بإلحاح أن يحدّثنا بحكايته، وتستحلفه بحياتها حقّق لها ما أحبّت.

2-21 قصّة تليفرون: في لاريسة

كدّس الأغطية في كومة واستوى على الفراش متّكئا ثمّ مدّ يده اليمنى؛ وشكّلها على طريقة الخطباء، ثانيا إصبعيها الأسفلين، ومبرزا بقيّة الأصابع ورافعا برفق سبّابته، وأنشأ يقول: "انطلقتُ من ميليتوس* وأنا لا أزال في طور الكفالة لمشاهدة الألعاب الأولمبيّة فعنّ لي أن أزور كذلك هذه الرّبوع من إقليمكم ذائع الصّيت. وبعدما جبتُ أرجاء تسّالية وصلتُ جرّاء طيور نحس إلى لاريسة*؛ وفيما رحتُ أتنقّل باحثا، بعد نضوب مواردي، عن كلّ وسيلة لتخفيف عُدمي، شاهدت وسط ساحة شيخا فارع القوام قد اعتلى صخرة يهتف بصوت جهوريّ معلنا أنّ لمن يرغب في حراسة ميّت أن يراجعه حول الأجر. فسألت أحد المارّة: "ما معنى ذلك؟ أمن عادة الموتى في هذا البلد الفرار؟" أجابني: "اسكت! واضح أنّك غلام غشيم، وغريب بلا شكّ، وتجهل أنّك في تسّالية* أين تتمزّع السّواحر وجوه الموتى حيث يجدن مستحضرات وصفاتهنّ السّحريّة."

2-22 حراسة الموتى

رددت سائلا: "قل أرجوك في ماذا تتمثّل حراسة الموتى التي ذكرتَ." فأجاب: "أوّلا يجب أن يظلّ الحارس متيقّظا ومنتبها كامل اللّيل، فاتحا عينيه باستمرار ومركّزا على الجثمان وألاّ ينشغل باله عنه بأيّ شيء سواه ولو بلفتة لأنّ أولئك السّعالى المَريدات يغيّرن أشكالهنّ إلى أيّ حيوان شئن ويزحفن متسلّلات حتّى لَيخفين عن عين الشّمس أو ربّة العدالة*. يتقمّصن أشكال طيور وكلاب وفئران بل وحتّى ذباب ويغرقن الحرّاس في نوم عميق بأخذاتهنّ. ولا أحد يستطيع أبدا أن يعرض باستيفاء كلّ ما يستنبطن من الحيل لتحقيق غاياتهنّ. ثمّ إنّ الأجر المقدّم لهذا العمل لا يتعدّى أربعة أو ستّة مثاقيل*. وي! اعلمْ أيضا وهو ما كدت أغفله أنّ من لا يعيد الجثمان في الصّباح كاملا لأهله مجبر على ترقيع ما أُتلف أو أُنقص منه بخزعة مماثلة تُقتطَع من وجهه."

2-23 مع أرملة الفقيد

بعدما علمت بكلّ ذلك، استجمعت شجاعتي وتقدّمت من المنادي قائلا: "توقّف! أمامك حارس على أتمّ الاستعداد؛ فقل لي أجرك"؛ ردّ: "ستُعطى ألف درهم. لكن مهلا يا فتى! احتط جيّدا لحراسة الجثمان من أولئك الحربياوات* الدّواهي، فإنّه لابن أحد أعيان المدينة." قلت: "خرافات تروي لي ومحض سخافات! أمامك رجل من حديد لا يعرف جفنه الغمض، أحدّ بصرا من لنكيوس* نفسه أو أرغوس* كلّه أعين يقظى." ما كدت أتمّ قولي حتّى قادني إلى بيت أوصد بابه، فدعاني إلى الدّخول من باب خلفيّ صغير، واقتادني إلى غرفة أغلقت نوافذها ورانت عليها العتمة، فأشار إلى امرأة محزونة الفؤاد تلبس ثوب الحداد. قال وهو يقترب منها: "ها قد حضر رجل استؤجر لحراسة زوجك بكلّ أمانة." فأزاحت خُصل الشّعر المتدلّية أمام محيّاها، كاشفة عن وجه لم يمح الأسى نضرته، وقالت محوّلة إليّ نظرها: "احرص، أرجوك، على أداء مهمّتك بأتمّ اليقظة". فأجبت: "لا تشغلي بالك يا سيّدتي، حضّري فقط مكافأة مناسبة."

2-24 جرْد بالمستلمات

اتّفقنا ونهضت فقادتني إلى غرفة أخرى. هناك أماطت بيدها اللّحاف عن جثمان مسجّى بأكفان فاخرة، بعدما أدخلت سبعة شهود، وأخذت تذرف فوقه الدّموع طويلا، وتعرض أعضاءه تفصيلا، وتستشهد الحضور؛ وقد سجّل أحدهم مسبقا بنود ذلك الجرد بالصّيغ المعمول بها على ألواح أُعدّت خصّيصا للغرض. قالت: "هذا الأنف كاملا وتان العينان صحيحتين والأذنان سليمتين والشّفتان وافيتين وهذا الذّقن تمّا بلا نقصان، فاشهدوا أيّها المواطنون الأفاضل"؛ ولم تنته من قولها حتّى خُتمت الألواح وانصرفتْ. قلت عندئذ: "مُري يا سيّدتي بأن يُجلب لي كلّ ما يلزم." ردّت: "ماذا تحديدا؟" أجبت: "مصباح كبير، وما يكفي من الزّيت للإضاءة حتّى الفجر، وماء ساخن مع نياطل من النّبيذ، وقدح، وصينيّة محمّلة ببقايا عشاء." فهزّت رأسها وقالت: "اغرب عنّي أيّها المجنون! تطلب عشاء ومخصّصات في بيت مفجوع لم يُر به دخان منذ أيّام. أتحسب أنّك جئت للقصف؟" نظرت وهي تقول ذلك إلى خادمة وقالت: "مرّينة*، اجلبي حالا مصباحا وزيتا وأقفلي باب الغرفة على الحارس وانصرفي فورا."

2-25 سبحان من لا ينام

هكذا أُفردت لمؤانسة الجثمان، ففركت عينيّ طويلا وسلّحتهما لمقاومة النّعاس، ثمّ مضيت أثبّت قلبي مدندنا بالأغاني. إلى أن حلّ غبش الغروب، فغسق اللّيل السّاجي فاللّيل الدّاجي ثمّ هدأُ اللّيلِ الهاجع، ثمّ همود اللّيل الخاشع، ومع تلبّد الظّلمة ادلهمّت رهبتي. فجأة، تسلّل إلى داخل الغرفة نمس انتصب قبالتي وحدجني بنظرة شزراء، فطار قلبي شعاعا من فرط ثقة ذلك الحيوان الصّغير بنفسه. ثمّ خاطبته: "إليكِ عنّي أيّتها الخشاشة النّجسة، هيّا اختفي عند أمثالك من الجرذان قبل أن تخبُري بطشي السّريع! هلاّ ارتحلتِ؟" فأدار ظهره واختفى لتوّه من الغرفة؛ وإن هي إلاّ لحظة حتّى ألقى بي نوم عميق في غياهب هاوية سحيقة، حتّى أنّ إله دلفي* نفسه ما كان ليميّز مَن مِنّا نحن الاثنين الممدّديْن أكثر إيغالا في هجوع الموت. فقد كنت هامدا وبحاجة إلى حراسة غيري، وكما لو لم أكن موجودا هناك.

2-26 المكافأة

وما لبث أن علا، مؤذنا بانسحاب جحافل اللّيل مؤقّتا، صياحُ كتيبة المقنزحات. فأفقت أخيرا وهرعت، وقد تملّكني هلع شديد، إلى الجثمان؛ فقرّبت منه الضّوء وكشفت عنه، وأخذت أتفحّص بالتّفصيل ما أتاني بالجملة. وإذا بالزّوجة المنكودة تدخل باكية مع شهود البارحة وفي الحال تنكبّ مبلبلة على الجثمان فتضمّه طويلا بحرارة، ثمّ على ضوء المصباح تستعرض كلّ أعضائه، ثمّ تلتفت وتطلب وكيل أعمالها فيلودسبوتوس*. فتأمره بأن يسلّم في الحال للحارس الأمين أجره بالتّمام والكمال، وتخاطبني بعد أن سلّمنيه: "لك منّا، أيّها الفتى، جزيل الامتنان؛ وإنّا لنعدّك من الآن، وحقّ هرقل، أحد خلصائنا جزاء خدمتك المثلى." رددت وأنا أتهلّل فرحا بهذا المكسب غير المؤمّل مشدوها بالقطع الذّهبيّة الّتي رحت أقلّبها بين يديّ: "بل قولي أحد أتباعك يا سيّدتي؛ وكلّما رغبت في خدمتي مُري بفائق الثّقة." ما كدت أقول ذلك حتّى انهال عليّ رجالها، متطيّرين من فألي المشؤوم، مدجّجين بالعصيّ وكلّ ما وقع تحت أيديهم. هذا يهشّم بلكماته فكّيّ، والآخر يدقّ بزنديه كتفيّ، وذاك يطلق قبضتيه الفتّاكتين في جنبيّ ويشبعني ركلا ويقلّع شعري ويمزّق ثوبي. ثمّ طُردت من البيت ممزّقا مخرّقا كذلك الفتى الأونيّ المتغطرس أو كذلك الموسيقار المعلّم المغرور^.

2-27 تهمة خطيرة

بينما أنا في ساحة قريبة ألتقط أنفاسي وأستعيد بتأخير أقوالي النّحسة الطّائشة، موافقا على أنّي كنت أستحقّ زيادة عمّا نلتُ جلْدا كثيرا، إذا بالميت قد أُخرج من البيت بعدما بكاه ذووه ونادوه، وبصفته واحدا من الأشراف نُظّمت له وفق عادات البلاد جنازة رسميّة سارت تشقّ مركز المدينة. فبرز شيخ يلبس السّواد، يبكي في انكسار ويمزّق شعره الأشيب الوقور؛ فأمسك النّعش بيديه وقال بصوت متهدّج يقطّعه الشّهيق: "أناشدكم أيّها المواطنون بالأمانة ورباط المواطنة أن تتصدّوا لقتل مواطن، وتنتقموا بصرامة من تلك المجرمة الغادرة، عقابا على جريمتها المنكرة. هي، ولا أحد سواها، قتلت بالسّمّ ابن أختي هذا الفتى المنكود بسبب علاقة زنا وطمعا في الميراث^." وأخذ ذلك الشّيخ ينتقل من واحد إلى آخر، باثّا شكاواه المؤثّرة؛ فأثار شيئا فشيئا نقمة الجمهور ودفعتهم استلاحة الوقائع إلى تصديق التّهمة. فعلت أصواتهم تطلب النّار وتلتمس الأحجار وتحرّض ضدّ الزّوجة الصّغار. بينما أصرّت هي على إنكار الجريمة، مقابلة وعيدهم بدموع مهيّأة ومقسمة بأقدس المقدّسات.

2-28 إحضار العرّاف المصريّ لمعرفة الحقيقة

إذّاك هتف الشّيخ: "لنحتكم إذن إلى العناية الإلهيّة لتبيّن الحقيقة: يوجد بيننا زتكلاس العرّاف المصريّ القدير الّذي اتّفق معي قبل قليل، مقابل مكافأة ضخمة^، على إعادة الرّوح لمدّة وجيزة من العالم السّفليّ وإحياء الجسد واستدراك الموت إلى حين." قال ذلك وقاد إلى وسط الجمع فتى حليق الرّأس يلتحف إزارا من الكتّان وينتعل خفّين من السّعف. فلثم يده طويلا وتمسّح بركبتيه قائلا: "حنانيك أيّها العرّاف! ناشدتك بنجوم السّماوات، وبآلهة العالم السّفليّ، وبالعناصر الطّبيعيّة، بخشوع اللّيل وحرمة المعابد القبطيّة، بفيضانات النّيل وأسرار آلهة منفيس* وصنّاجات جزيرة فاروس*. هب هاتين العينين المغمضتين إلى الأبد نعمة الشّمس برهة. لا اعتراض لنا على حكم الضّرورة، ولا ننازع الأرض ملْكها؛ وإنّما نسأل ضارعين نزْرا من الحياة علّنا نجد في الثّأر من الجاني شيئا من السّلوان." رقّ العرّاف لحاله فوضع عشبة في فم الميّت وأخرى في صدره. ثمّ ولّى وجهه قِبل المشرق ملتمسا في صمت بركات الشّمس المتهادية في مهابة وجلال، فأثار حماس الحضور الّذين اشرأبّوا متزاحمين يرتقبون الآية الكبرى.

2-29 بين الميت وأرملته

اندسستُ داخل الحشد وارتقيتُ صخرة عالية بجانب النّعش مباشرة، وأخذتُ أتطلّع بعينين ملؤهما الفضول إلى كلّ أعضاء الميّت. وما هي إلاّ لحظة حتّى شال صدرَه انتفاخ، وهزّ عروقه نبضان، وسرت في كامل جسمه الحياة، ونهض الجثمان، وتكلّم الفتى. "لِم أعدتَني بحقّ السّماء بعدما شربتُ كؤوس ليثية*^ وانطلقت سابحا في مستنقعات إستكس* إلى متاعب الحياة الفانية؟ كفى أرجوك! دعني في راحتي الأبديّة!" بهذا تكلّم الصّوت الصّادر من الجسم؛ لكنّ العرّاف قال بشيء من الحدّة: "ألا تكشف للشّعب بالتّفصيل أسرار موتك بالأحرى؟ أوَلا تظنّ بوسع صلواتي إحضار جنّيّات النّقمة* وليّ أطرافك التّعبى؟" فردّ الميت من النّعش متوجّها إلى الجمهور في زفرة عميقة: "لقد أردتني مكائد زوجتي الّتي مضى قليل على اقتراني بها، وحكمت عليّ بكوب مسموم فتركتُ فرلشي الذي ما زال دافئا لعشيقها." إذّاك استجمعت المرأة الفاضلة شجاعتها وبلا وجل من انتهاك حرمة الموت راحت تجادل زوجها؛ فضجّ الشّعب وتباينت الآراء بين حاكم بدفن المرأة الفاجرة حيّة مع زوجها في الآن، ومستقبح تصديق مزاعم الجثمان.

2-3. المفاجأة

لكنّ تصريح الفتى التّالي حسم الجدال؛ إذ تنهّد مجدّدا من أعماقه وقال: "سأقدّم لكم أدلّة ساطعة على خالص صدقي، وأكشف ما لم يعلم أو يتظنّ يذكر أحد غيري." وتابع مشيرا بإصبعه إليّ: "بينما كان حارس جسمي هذا الفتى البصير يضرب حراسة مشدّدة عليّ، حاولتْ ساحرات عجائز طامعات فيّ مسخن لهذا الغرض أنفسهنّ مغافلة يقظته المستمرّة السّهرى مرارا دون جدوى. أخيرا، وبعد ما ذررن في عينيه غبار النّوم وطمرنه في سبات عميق، أخذن ينادينني باسمي ولم يكففن إلاّ حين بدأتْ مفاصلي الهامدة وأطرافي الباردة تتململ في محاولات متخاذلة للاستجابة لأسحارهنّ. لكنّ هذا الشّخص الحيّ في الواقع والميّت بالنّوم^ فقط، لأنّه سميّي، أفاق عند سماع اسمه جاهلا بالشّخص المعنيّ. فمشى تلقائيّا كشبح بلا حياة؛ ورغم أنّ باب الغرفة كان مغلقا بإحكام جُدع من خلال ثقب فيه أنفه ثمّ الأذنان؛ فتعرّض إلى هذه المذبحة الاستبداليّة مكاني. فلِيستدركن آثار خطئهنّ ألصقن له شمعا شُكّل على صورة أذنيه المصلومتين شبها كاملا وجهّزن كذلك للأنف بديلا مماثلا؛ والمسكين الآن هنا حاضر معنا، وقد نال ثمن جدعه لا جدّه." ما كاد ينهي قوله حتّى سارعت هلعا إلى وجهي أتبيّنه؛ مددت يدي وأمسكت أنفي فتبعها وجذبت أذنيّ فانفصلتا. وإذا بالحضور يشيرون إليّ بأصابعهم ويلتفتون مومئين ناحيتي وينفجر مدوّيا ضحكهم؛ ففررت متسلّلا بين أرجل المتفرّجين المحيطين بي وعرق بارد يبلّلني. بعدما صرتُ مسخا مضحكا بهذا الشّكل لم أستطع العودة إلى بيت آبائي وأهلي بل أطلقت شعري على الجانبين لأغطّي ندبة الأذنين، وأخفيت خزي أنفي بما يكفي بإلصاق هذا اللّثام عليه بإحكام"^.

2-31 تجديد دعوة برّينة

ما إن انتهى تليفرون من رواية هذه القصّة حتّى عاد النّدامى المترعون خمرا إلى الضّحك؛ وبينما تعالت أصواتهم مطالبة بشرب النّوبة المعتادة على نخب ريسوس*، توجّهت إليّ برّينة قائلة: "يحلّ غدا يوم الاحتفال بتأسيس هذه المدينة لمّا كانت لا تزال في المهد؛ ونحن وحدنا بين النّاس نتقرّب في هذا اليوم إلى الإله المعظّم ريسوس* بطقوس ملؤها الفرح والمرح؛ فلتجعلْه بحضورك عندنا أبهج وأزهى. وحبّذا لو استنبطتَ شيئا ظريفا من ابتكارك الخاصّ لتكريم هذا الإله علّنا نسترضيه بنحو أفضل وأكمل"؛ أجبت: "حسنا، ليكن كما تأمرين؛ ألا ليت شعري هل أصيبنّ فكرة تليق به إنّي إذن لسعيد." ثمّ لم ألبث بعدما أخطرني خادمي إلى تقدّم اللّيل أن نهضت تقئا بالخمر^، وودّعت برّينة عجلا ثمّ توجّهت إلى البيت مترنّح الخطى ثملا.

2-32 صراع بطوليّ

لكن ما إن سرنا في أوّل ساحة حتّى أطفأت الرّيح المشعل الّذي كنّا نعتمد عليه فلم نتمكّن إلاّ بشقّ الأنفس من العودة إلى بيت مضيّفي منهكين وأصابع أرجلنا مدماة من العثار على الأحجار والتّخلّص من ظلمة اللّيل الغرّار. فبينا نحن نقترب منه مترافقين، لاح لنا ثلاثة صعاليك عراض غلاظ ينهالون بكلّ قواهم على بابنا، دون أن يخيفهم بتاتا وجودنا. بل كرّوا بقوى مضاعفة متنافسين في العنف، بحيث بدوا لنا، ولي خصوصا، لا بغير مبرّر لصوصا ومن أشرس صنف. في الحال انتضيتُ سيفي الذي كنت أتقلّده تحت ثوبي تحسّبا لمثل هذه الطّوارئ. وبدون تردّد وثبتُ وسط اللّصوص فأغمدته عميقا فيهم واحدا تلو الآخرلأسحق كلّ من يقاومني. إلى أن لفظوا أخيرا أنفاسهم أمام قدميّ، مثخنين بجراح عديدة وبليغة. هكذا انتهيتُ من المعركة الّتي أيقظت ضجّتها فوتيس، ففتحتِ البيت فدخلتُ لاهثا مرهقا، أتصبّب عرقا؛ وسلّمتُ نفسي، منهكا من صراعي مع أولئك اللّصوص الثّلاثة، سوْغ قتل جريون*^، للفراش والنّوم معا.